إنتبه أمامك المستنقع
يشار آصلان كركوكلي
iaa9090@yahoo.com.au
5 يناير 2007


في كل حرب تقع تستجد مصطلحات أو تستعيد بريقها من جديد وعادة ما تلخص عن وصف لحالة أو سياسة أو نتيجة ما وربما جرت مجرى المثل والشعار وقد تبقى هذه المصطلحات في حدود مساحة الحدث أو تتسع لتدخل كمفردات في القواميس العالمية. ولأن الحروب شتى فمنها الباردة والساخنة والحروب الفكرية فكانت المصطلحات موزعة بين الجميع. فالستار الحديدي مصطلح إخترعه ونستون تشرشل بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية لتطويق السوفييت, وحافة الهاوية إشتهر به جون فوستر دالاس في إطار الحرب الباردة مع الإتحاد السوفيتي والإحتواء المزدوج لتطويق إيران والعراق, ووترغيت للفضيحة المشهورة, وفي الغزو الأمريكي الأخير للعراق أضحى (المستنقع) العراقي مفردة مقتبسة من قاموس مصطلحات الحروب التي كانت مادة إعلامية لمناهضي الحرب الأمريكية على فيتنام (حرب الأدغال والمستنقعات ) . فما هي حقيقة المستنقع العراقي ومن غرق فيه فعلا ؟

لا بد للهزيمة من معايير تحدد حجم الضرر الذي وقع كما للإنتصار من معايير والتي بموجبها نضرب يدا على ظهر يد للهزيمة أو نصفق للإنتصار, ومن بعد مهرجانات النصر نبدأ بتطهير المستنقعات من جثث قتلى العدو لنردّها في توابيت الى البيت الأبيض تمجيدا للقيم الأصيلة للشعب العراقي التي تقدر كرامة الإنسان حيا أو ميتا حتى إذا ما كانت جثثا للعدو فلا نُمثل بها فالمثلة حرام عندنا حتى على الكلب العقور وحاشا أن يفعلها الأبطال. وليس غريبا أن يصرح أكبر محرضي الحرب على العراق وأحد مهندسي الغزو والصهيوني المحافظ ريتشارد بيرل الى مجلة فانتي فير بأن الهزيمة باتت محققة في العراق وهو بإعتقادي يشير الى بلوغ الأهداف الإستراتيجية وضرورة البدأ بالإنسحاب كما أعلن أكثر من مسؤول أمريكي بما فيهم لجنة بيكر هاملتون وغيتس وزير الدفاع الجديد وبوش نفسه بأنهم ليسوا في حالة كسب للحرب. إن الذي يجلب النظر هو كيف يضع بيرل الهزيمة في قالب سهل وكأنها كانت مصنّعة له خصيصا من قبل وكانت نزهة إنتهت الى خيبة ولا حساب ولا كتاب وكأنه يقول هذه هي أمريكا ولا تبالي . فهل الحسابات الأمريكية بهذا القدر من السطحية في تحليل الأوضاع والنتائج والمسؤوليات وهل حقا أرادوا الإنتصار للشعب العراقي وبعث إرادته وبناء العراق الديموقراطي الحر المستقل. لا أحد يصدق أمريكا إلا صنائعهم والتاريخ يصفع ناصية الديموقراطية الأمريكية في هذا الباب لقد حصل ليندي على أصوات شعبه من صناديق الإقتراع في الإنتخابات الديموقراطية فتآمر عليه كيسنجر فجاؤا بالدكتاتور بينوشيه ليقضي على حرية الشعب الجيلي وهكذا فعلوا مع مصدّق في إيران الشاهنشاهية. السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم على ثابت أمن إسرائيل والنفط , وكل ما يزعزع أو يشكل هاجسا له يهاجم بألف حجة وإختراع.

فالحرب الامريكية على العراق لها شعاراتها وأسبابها السوقية لإقناع الرأي العام الأمريكي والعالم بها, كما لها أبعادها الإستراتيجية وأهدافها الخفية, وهذه الأهداف لا يمكن رصدها من خلال المعادلات القديمة التي لم تعد محسوبة في نظام القطب الواحد حيث كان الفشل الأمريكي يعتبر أزمة دولية وإنتصارا للكتلة الشيوعية لقد تميعت تلك الكتلة وإنصهرت في البوتقة الغربية فهذه دولها تقف على خط الإنصهار فمن يحاسب أمريكا على تجاوزاتها. ففي ظل الأوضاع الجارية في العراق يبدوا ومن خلال النتائج المرعبة وعلى أساس الإحصاءات الدقيقة والحسابات الرقمية أن العراق قد غرق في مستنقعاته الى حد كبير ولا عاصم له غير العودة للذات وإستشعار خطر الهزيمة وصده بوعي وطني خلاّق.

إن الذي لا يؤخذ الدمار العام في البنية وعدد قتلى العراقيين في حسابات النصر والهزيمة والذي تجاوز 650000 قتيل وفق الإحصاءات الدقيقة وما بين الخمسين والمئة جثة مجهولة الهوية إلا كونهم من العراقيين أبا عن جد كما تحكي قسماتهم وسمرة جلودهم حيث لم يسري في عروقهم قطرة دم إفرنجي أو أنكلو سكسوني قط تعثر عليهم قوات الأمن في أنحاء بغداد يوميا فضلا عن المفخخات التي تفجر في ساحات العمل والأسواق وبين النساء والأطفال والمدنيين تُذّكرنا بأفعال أبناء البغايا في محن الأوطان, مقابل التأكيد والتباهي على مقتل أو جرح جندي أمريكي هنا وهناك في العراق واللذين لم يتجاوز عدد قتلاهم منذ الغزو الثلاثة آلاف عسكري ومرتزق مع مئات المليارات التي صرفت للقوات الأمريكية كانت تصرف لها في أعماق البحار والمحيطات وقواعدهم المنتشرة في العالم لو لم يكونوا في العراق, وإن بعض الزيادة العملياتية لا شك أنها تخصم من حسابات الدول العربية النفطية التي شجعت الغزو ووعدت بالمساهمات وأموالها رهينة في بنوكهم وهذه الحسابات والخصوم تبقى سرية عن الرأي العام ومن يجرؤ على معرفة دهاليز السياسة المالية الأمريكية.

وفق الحسابات الأمريكية والإسرائيلية كنتيجة مضمونة هي أن العراق خرج من معادلة الصراع في الشرق الأوسط مقابل إسرائيل ولم يعد شيئا مذكورا, وإن بذور الفتنة والفساد والنعرات التي زرعتها سياسة الغزو في العراق ستنموا وتضرب جذورها في الأعماق وستنتج الكثير مما لم يحققه الغزو حتى هذه اللحظة. إن تعهد بوش الأخير بدعم الديموقراطية في العراق وبعد كل هذه الإعترافات وسياسات الفشل المتعمد إيغال في الطعنات والشتيمة لهذا الشعب المسكين الذي لم يرى من سياستهم إلا الكذب والتزوير والتهديد لوحدته وحاضره ومستقبله, حتى أصبحنا نقرأ ونسمع من دون أن تقشعر جلودنا من تعابير ومصطلحات جديدة تتناقلها الصحف والقنوات والفضائيات العراقية من دون تعليق كما في الخبر الذي نقل تصريحا عن السيد نيجرفان البرزاني قال فيه ( توصلت الحكومتين الكردية والعراقية على تفاهم لنقاط الخلاف ...) إن إستعمال الحكومتين العراقية والكردية في سياق تعبيري واحد مع أن الكردية جزئية في الكل العراقي وغير قانونية في تسميتها المحددة وبتجاهل متعمّد لذكر الحكومة الفدرالية أو المركز والتشديد على الحكومة الكردية بدل حكومة أربيل تعبير عن المثلية العامة وهي اللغة التي تستعمل حصرا في العلاقات الدولية لوجود المثلية وتكافؤ السيادة بين الطرفين مما لا ينطبق باي حال على علاقات الجزء بالكل في إطار الوضع الفدرالي العراقي الموعود ويُفترض على الحكومة في بغداد أن تُنبه هؤلاء على أدائهم اللغوي الخاطيء والتشديد على الإلتزام بأدب المخاطبات الإدارية في الدولة العراقية من أي موقع أو أقليم كان مع تصحيح للأخطاء عبر قرارات حكومية ونشرها في الوقائع العراقية, لأنها صياغات مقصودة ومرسوم إنفصالي مكشوف يعبّر عما قصدتها الديموقراطية الأمريكية من سقف أدنى لأهدافها من غزو العراق. لقد تشوهت صورة النسيج العراقي المتين وأضحت بغداد مُجمّعا للأيتام والأرامل وشوارعها وأحيائها مزرعة للرؤوس والأشلاء .لقد فشلت الديموقراطية في العراق وفشل بوش ولكن السياسة الأمريكية نجحت في تحقيق إستراتيجيتها في المنطقة .

لقد أمّنت لإسرائيل وربطت النفط العربي بالف خط الى مرافئها في العالم وباتت معظم الأنظمة العربية دمية أمريكية لا غير وإن الصورة التي تعرضها الروبوت سينيورة في لبنان الذي يوجهه فيلتمان من السفارة الأمريكية في بيروت الى عباس في فلسطين الذي يهديه الملك اولمرت من عمان لتحدي إرادة شعوبهم المعارضة والمقاومة خير من يجسدون خارطة الشرق الأوسط الجديد. فريق من العملاء وشعوب مهزومة تعاني في داخلها من الف داء ومن حولها الأخطبوت الأمريكي.

وهكذا الفشل الأمريكي منجح ومفيد لهم ولإستراتيجياتهم وإنتصاراتنا المدّعاة مهلكة وتراجعات وخداع للذات. لقد أعلن وزير الدفاع البلجيكي اندريه فلاهوت،(( ان فشل التدخل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة في العراق، كان متوقعا، وانه في حال تعرضت الوحدة العراقية الى الخطر لا بد من اللجوء هذه المرة الى الأمم المتحدة) . كلام الوزير البلجيكي يوضح الكثير مما ذهبنا اليه لقد كان الفشل متوقعا لماذا؟ لأنها كانت سياسة أمريكية مقصودة بدأت بالفشل المصطنع لتنتهي بالتقسيم عبر منظمة الأمم المتحدة التي لها التجربة الفريدة بالتلفيق حيث بدأت باكورة عملها بقرار التقسيم لفلسطين العربية عام 1948 الى دولتين عربية ويهودية هي إسرائيل الغيت العربية منها فعلا وبقيت إسرائيل تتكامل وتتحدى كل العرب وتعمل بجد لتفتيت وحدتهم شعبا وأرضا وتقسيمهم الى كانتونات عميلة وبعضلات أمريكية في أكثر الأحيان كما هي الطريقة المعمولة في العراق والتي يراد تكرارها اليوم في لبنان وفلسطين لتمزيقهما التزاما بالأمن الإسرائيلي. متى أرادت السياسة الأمريكية أن تبحر سفينتنا بأمان؟ فإن لم ينصبوا لها الربان أغرقوها بألف حرب وسلام . فهل الغرقى الموحلين وفق الإحصاءات والمشاهد في المستنقع العراقي هم الشعب العراقي أم القوات الأمريكية سؤال أحتار كثيرا من أن أجد جوابا لا يغضبني. فإن قلت بالموحلين هم الأمريكان أحسست الكذب على نفسي فيغضبني وإن قلت شعبي العراقي أحسست بالصدق فهو يغضبني لأني أرفض أن يغرق بلدي وجاري آشوري عربي تركماني وكردي سني وشيعي مسيحي صابئي , فاذا كان العراق مستنقعا يغرق فيه الشعب العراقي فأين الهزيمة الأمريكية إذا؟ فالأمريكيون سينسحبون من العراق متى شاؤا فتنتهي مشكلتهم من حيث قد تبدأ مشاكلنا الجديدة فضلا عن القديمة إذا ما لم نكن بمستوى التحديات والأخطار .