قضايا الفساد.. أرّقت القيادة الكردية عن مسار عملها..
لذا فاتتها خطة بيكر-هاملتون الكريهة
سيلفان سايدو
silvansaydo@hotmail.com
5 يناير 2007


-1-
إذا كان المراد من العمل السياسي، هو الانخراط فيه والاصطفاف فيه كمجموعات القوى على أساس برامج ومرجعيات أيديولوجية محددة الخيارات والتوجهات لإدارة المجتمع وتحديد أنماط العلاقات والتحالفات الداخلية والخارجية، والمنافسة على ثقة الرأي العام. فإنّ عمل "القيادة الكردية" نائية عن أبسط شروط العمل السياسي المتعارف عليها في فقه النظم السياسية المعروفة، وذلك لما للقيادة الكردية من تجربة طويلة وعريضة على هذا الصعيد، تجربة غنية لا تباين في خطوطها، تجربة عن مدى انصرافها عن مسار الأعمال الموكلة إليها.
-2-
وبداية يمكننا القول ومن دون أن تشوبه أي تردد، كنا نأمل من خطة "بيكر-هاملتون" أن تحمل في ثناياها بعضاً من الأمل في سبيل خروج العراق من مأزقه من جهة، ومن الأخرى كنا نأمل أيضاً بنوداً، للتعامل مع الأطراف العراقية المعنية أولاً وأخيراً بأمرهم، بجدية، دون الرجوع إلى الأطراف الإقليمية الممثل بـ (سوريا وإيران) اللتان ترتهنان في سياستهما في (العراق وكذلك في لبنان) على أوراق سياسية وطائفية، باستثارة النوازع المذهبية فيهما، وتعملان في آن معاً، بجعل نفوذهما القويين في المنطقة، كورقة ضغط دولية فاعلة، وتأطيرها لضبط استراتيجية وتوازن وجوديهما في المنطقة، وباستخدامها استخداماً محكماً من أجل الانتقال من مرحلة متأزمة إلى مرحلة أكثر تأزماً في هذين البلدين الذّين يكتويان بنار حسابات الدول الإقليمية والدول الغربية على حد السواء.
فالخطة من جملة ما تتضمن، إصاءها باعتماد مقاربة عبثية تقوم على الحوار مع إيران وسوريا. وهي تحتوي على حوافز لإيران، وكأنها صاحبة الشأن لحل المأزق في العراق، وذلك باستئناف العلاقات الدبلوماسية معها، ومع إمكانية انضمامها إلى مجموعة إقليمية ودولية، إذا ما توقفت عن دعمها للمليشيات الشيعية المسلحة، مع ترك نقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن.
أما بالنسبة لسوريا، فتدعو الخطة إلى عقد مؤتمر سلام شامل على مسارين بين إسرائيل وسوريا ولبنان من جهة، ومن الأخرى بين إسرائيل والفلسطينيين. وهذا ما تسعى إليه سوريا الآن على الأقل، وفق لغتها السياسية الحالية، من أجل الخروج هي أيضاً من مأزقها السياسي والاقتصادي، ولقطع الطريق أمام التحولات التي سوف تودي بنظامها، من خلال الدعم الغربي والعربي لمعارضتها الهشة.
-3-
وإزاء هذه الخطة السيئة الصيت، أضحت القيادة الكردية التي كبطة عرجاء في مسار عملها السياسي، لأن القلق الذي أثارته القيادة الكردية يبدو كان مصطنعاً إلى حد كبير. بدليل أنّه بعد أن تم نشر خطة "بيكر- هملتون" على الملأ، سارعت هي كعادتها إلى التصريحات من هنا وهناك، وإقامة جلسات وندوات وعقد مؤتمرات.. بعد (الذي ضرب ضرب، والذي هرب هرب)، لأنها متيقنة ومدركة جيداً أنها لن يوجه إليها الشعب الكردي تهمة عدم المسئولية والفشل السياسي. مادامت اهتماماتها كلها منصبة وعلى قدم وساق بقضايا الفساد ومعمعات داخلية أكثر كراهة من خطة "بيكر-هاملتون".
لذا، إذا أرادت القيادة الكردية الحفاظ على ماء وجهها، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن خلدت إلى نومها على وسائد من تطمينات السياسية المتحولة. فما عليها إلا وأن تعيد النظر في استراتيجياتها، وإن كان متأخراً.. ليس فقط بما تضمنت هذه الخطة من نقاط تجاهلت تماماً مصالح الأطراف العراقية عموماً، والكردية على وجه الخصوص، وحتى التي صاغها الدستور العراقي. لا بل في ما هو مقبل عليه العراق من تغيير لاستراتجيات الولايات المتحدة، بإشراك الدول الإقليمية في حلحلة الوضع في العراق بأجنداتها التي تشوبها الكثير من التوجس والقلق الشديدين.. خاصة وأنّ الرئيس بوش قبل أن يضع السياسة الأميركية الجديدة للتعامل مع الأزمة في العراق، سينتظر ثلاثة تقارير أخرى، منها من البنتاغون، ومن وزارة الخارجية، ومن مجلس الأمن القومي.
فهذه التقارير مجتمعة كافية لإجهاض ما حققتها القيادة الكردية خلال السنوات الثلاثة الماضية . بينما بدأت الأطراف العربية بتدشين حملة مضادة على طريقتها لما آلت إليها الخطة.... تشارك فيها حكومة ودبلوماسيتها المنتقلة إلى واشنطن، في غياب تام للدبلوماسية الكردية. رغم الصولات والجولات البروتوكولية التي بدأها الرئيس الطالباني لكل من فرنسا وإيران..
-4-
ولكن إذا أردنا الحكم على أنّ خطة بيكر-هاملتون جاءت من أقوى دولة في العالم "الولايات المتحدة"، فان وقعها سيحظى بترجمة ملموسة في المنطقة، في الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة تخطب ود دول التي تستعدي سياستها. وإنّ خطة كهذه ستسقط لا محال على أرض خصبة، على الرغم من تقليل من شأنها على غرار اتفاقية سايكس-بيكو. سيما وأنّ الواقع الشرق أوسطي هو في تغير مستمر، وخريطة هذا الواقع تختلف من حين لآخر، في خضم تفاعل الأوضاع في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية، وتفاقم الحرب الأهلية فيها.


سيلفان سايدو إعلامي