ملف فرنسي عن [ النصوص الأساسية للبرالية]
عزيز الحاج
3 فبراير 2007


أصدرت مجلة "لو بوان الفرنسية" بالعنوان أعلاه عددا خاصا أرخته بشهري يناير وفبراير 2007. وينقسم الملف لعدد من الفصول عن تطور الفكر السياسي اللبرالي في الغرب منذ القرن السابع عشر، وقد أعطي كل فصل لباحث فرنسي متعمق يورد النصوص ويحللها، ومنهم نيقولا بافارية، صاحب كتاب "فرنسا التي تتداعى" الذي استعرضناه قبل حوالي العامين، وجاك مارسي مؤلف كتاب "الاستخدام الرشيد للحرب الأهلية" في فرنسا، والذي نشرنا عنه مؤخرا عددا من المقالات.
قد يبدو أن اهتمامنا بهذا الملف بعيد عن همومنا الكبرى في العراق ولبنان وغزة والضفة، ولكننا نعتقد أن الموضوع يمس صلب وجوهر كل مشاكلنا، وخصوصا أزمة الفكر العربي المزمنة، واستفحال الخطاب الإسلامي المتطرف الذي ينشر أفكار العنف وكراهية الآخر ورفضه، وهو الخطاب الذي يحرك اليوم الشوارع العربية والمسلمة وأيضا بين المسلمين في الغرب.
إننا نعرف جميعا أن دعوات العنف وأفكار الكراهية، وخصوصا حين تلبس رداء دينيا، بإمكانها دفع المتطرفين والمخدوعين لاقتراف جرائم كبرى، كعمليات الإرهاب الإسلامي، التي تهدد كل القارات والحضارة البشرية ـ أي أن الأفكار الإجرامية تشجع على اقتراف جرائم كبرى. هذا مثلا ما حدث لفرج فودة واغتياله ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ بعد فتاوى دينية، وتفريق حامد أبو النصر عن زوجته. إن معظم خطب أئمة الجوامع وإن فتاوى دعاة رفض الآخر، كالقرضاوي، غذت ولا تزال تغذي التطرف الديني، واستحلال العنف لحد طلب "الشهادة" بتفجير البشر وقطع الرؤوس.
على صعيد ثان، فإن العقليات العربية السائدة من سياسية وثقافية لا تتحمل النقد، ونادرا ما تقوم بعملية نقد ذاتي صادق، ويلجأ الحكام غالبا لإسكات المخالفين باستخدام القمع أو الرشوة والإغراء. لقد كان فولتير، وهو أحد رواد الفكر السياسي اللبرالي، يقول:
" إنني أخالف رأيك ولكنني مستعد للنضال لكي تكون لك حرية التعبير عن آرائك." فكم حاكم عربي أو رجل دين، بل كم مثقف عندنا يتحمل آراء الآخرين ويناقشها بهدوء واحترام؟؟ فلنقرأ عشرات من التعليقات على مقالات عدد من الكتاب العرب والعراقيين، الذين يتحرون الحقيقة ويضعون اليد على الجرح. كم من تعليق يتعمد ترك الموضوع ليلجأ للتحامل والاتهام والتشهير، مما يدل على الضيق من الرأي المخالف، والشعور بالعجز عن مناقشته وإجراء حوار متحضر.
نعرف أيضا أن الفكر العربي، مع استثناء فريق من المفكرين والمثقفين المتنورين، قد اعتاد أن يدعي احتكار الحقيقة المطلقة، وتقسيم العالم لخير وشر، وهو ما يتميز به خاصة الخطاب والتعليم الدينيان في البلدان العربية والمسلمة.
وسبب آخر يدعونا للاهتمام بالملف الفرنسي هذا وهو وجود التباس كبير جدا حول مفهوم اللبرالية، وسوء الفهم هذا يزيد من حدة الحملات على الكتاب المحسوبين على اللبرالية. والواقع أن هذا الالتباس مستورد من الالتباس الذي نشره وينشره اليسار الغربي، وفي فرنسا خاصة، بحيث صار وصف مفكر أو كاتب باللبرالي بمثابة الشتيمة، وحيث يربطون اللبرالية بالرأسمالية الوحشية والنزعة المحافظة، والبطالة، وإفقار الجماهير، و"الهيمنة الأمريكية."
إن منسقة الملف وكاتبة المقدمة، كاترين غولياو "Catherine Golliau" ترد على هذه الاتهامات، مبينة أن للفكر اللبرالي يعود فضل رفض الدولة الشمولية، وتحرير الإنسان من الاستبداد السياسي والديني، ومبدأ الفصل بين السلطات، وإعلان حقوق الإنسان للثورة الفرنسية، وقيام المنظمة التجارية الدولية التي تضبط التجارة الدولية لصالح البلدان الأكثر حاجة.
إن هذا الملف غني بنصوص العشرات من كبار الفلاسفة والمفكرين والعلماء، من أمثال بركلي، وآدم سميث، وفلاسفة عهد التنوير الفرنسي ومنهم مونتسيكيو، ورايمون أرون، وأوغست كومت، وكانت، وجون ديوي، وميلتون فريدمان، وماكس ويبر، وعشرات آخرين من مفكرين، أسماء بعضهم معروفة على نطاق عالمي واسع وآخرين ليست لهم الشهرة الواسعة مثلهم. إن هؤلاء قد أغنوا الفكر السياسي والاقتصادي اللبرالي، كل بمساهمته، مع وجود خلافات وتباين آراء أحيانا، حيث أن اللبرالية ليست حركة واحدة متناسقة، بل مذهب فكري تنصب عنده تيارات ومدارس فكرية متنوعة ولكن ما يجمع بين الجميع هو الإيمان بحرية الفرد، وبحق الإنسان في الاختيار وفي استقلالية تفكيره، وحقه في التعبير بحرية عن آرائه. وأيا كانت شرعية حكومة ما، سواء جاءت بانتخابات أو باستفتاء، فإن لشرعيتها حدودا تقف عند تلك الأوجه من حياة الفرد التي يجب أن تبقى خارج هيمنة السلطة، سياسية كانت أو دينية.
إن هذا الملف الهام يستحق أكثر من وقفة واحدة.