رجال الدولة بين ثقافة السلطة وثقافة الحوزة
الشيخ محمد هويدي
info@thenewiraq.com
23/01/2007


بما أن السلطة والسياسة تقترنان على الدوام إذ أن السياسة آلية السلطة في ممارسة حياتها ولذا فإن السلطة تكون قد اكتسبت أخلاقيتها من السياسة . وبغض النظر عن الشرعية فإن الساسي يكون محكوما بثقافة معينة يمارس من خلالها دوره وصولاً الى الأهداف التي يريد أن يحققها لذاته أو لنظامه أو لبلده ، ومن اهم معالم هذه الثقافة هي صناعة أجواء اجتماعية تساعده على أداء دوره وتضمن له استمرارية البقاء في المنصب ، والسياسي البارع هو الذي يعمل على تشخيص الطاقات ومن ثم توضيفها خدمة للبلد ولمشروعة السياسي ولكي يدخل قلوب الناس وينال ثقة المجتمع يعمل كما عمل الأوربيون في ذلك وتعاملوا مع ممثليهم بشفافية وتواضع فريدَين وتسابقوا في إبداء أحسن الخدمات وبذلوا أقسى الجهود . و ما يدعو رجل السلطة الى العمل الجاد والمخلص هو ثقل المسؤولية التي تُرمى على عاتقه فهو جزء من هيكلية الدولة التي تتكون من مؤسسات كبيرة ومنظومات معقدة وأجهزة مدنية واجتماعية وعسكرية ليست هينة ، ولذا فإن رجل السلطة الذي عركته التجربة هو الوحيد الذي يستطيع أن يؤدي دوره بنجاح ، وإلا فإنه سوف يسقط في أول الطريق وليس في وسعه البقاء إلا إذا كان هيكل الدولة ومنظوماتها يعاني من خلل خطير وارتباك بحيث تضيع ألأخطاء وقلة الكفاءة أو الإخفاق في خضم الخلل الكبير للدولة ، وقد سئل النبي عن القائد فقال عليه الصلاة والسلام ( القائد من أخطأه السيف ) ويدلنا قول النبي أن التجربة العملية شرط أساسي في قيادة الأمة .

وإذا أردنا أن نطبق المفاهيم السابقة على ماهو عليه الآن في العراق فإننا نجد ما يثير الإستغراب حيث أن الذين يمارسون السلطة بشكل رئيسي يحملون ضربين من الثقافة ، فئة متمرسة وقد خاضت تجربة سياسية طويلة وهي جبهة التوافق وجبهة الحوار، وهذه الفئة وإن مارست السلطة على النمط الديكتاتوري ، إلا أن تعاملهم السياسي ضمن إطار الدولة الديمقراطية الحالية جعلهم يستفيدهم من تلك الخبرة في التعامل مع الآخر بما يخدم قضاياهم .

أما الفئة الأخرى والتي تمسك بزمام الدولة العراقية اليوم والتي تمثل في مجملها قائمة الإئتلاف العراقي الموحد فثقافتها ثقافة حوزوية ولم تمارس في حياتها السلطة بشكل طبيعي ووفق المعايير المعروفة في بقية دول العالم ، ولقد ذكرنا إن من أبرز ثقافة السياسي المسؤول في الدول الغربية مثلاً والتي تتمتع بتجربة طويلة هو محاولته الدائبة على خلق قاعدة جماهيرية وخلق رجال أكفاء يشاركون في بناء مؤسسات الدولة المختلفة ولذا نرى أن من أكبر هموم رجل السلطة الناجح هو البحث عن الكفاءات التي تشاركة في بناء مؤسسات الدولة ، وبما أن ثقافة الحوزة هي ثقافة ثابتة ولا يتعدى همَّ رجالها على أطر محددة تتعلق فقط في إدارة المدارس والمناهج وإدارة متواضعة في كيفية التصرف بالحقوق بين الطلبة وتعامل روتيني في المساجد والحسينيات والإجابة على المسائل الشرعية وهذه المهام إذا ما أردنا أن نضعها إزاء مسؤوليات الدولة فإنها لاتساوي شيئا إطلاقا .

ولذا فإن الثقافة الحوزوية التي تطبق على منتسبي ( الإئتلاف العراقي الموحد ) وغيرهم من المحسوبين على الطائفة الشيعية من رجال الدولة جعلت أغلبهم يتصرفون وفق المعايير الحوزوية التالية :

1- أشاحوا بوجوههم عن الكفاءات والطاقات المخلصة لدى الطائفة الشيعية بل والتي يدركونها ولهم علاقات سابقة بها بل تنصلوا عنها بشكل ما زال يثير الإستغراب بين الأمة التي اوصلتهم الى البرلمان والمراكز الرفيعة ، فهؤلاء راحوا يتصرفون بشكل يدعوا الى الريبة من خلال الإعتماد على الأقربين والمنتسبين الى أحزابهم مع أن أغلبهم لايمتلك الخبرة المهنية ولا التاريخ السياسي أو الجهادي وباختصار اعتمدوا على الولاءات لا الكفاءات. لقد تصرفوا في أوساط الدولة وكأنهم يتحركون في أوساط الحوزة . بينما نرى أن رجال الدولة والسياسة من الكرد وجبهة التوافق تجتهد في جمع الكفاءات المخلصة الموالية والمنتمية لمدرستها وتفرضهم على الوزارات فرضا بل تجتهد في توسيع دائرة التعينات لتصل الى كل مفاصل الدولة ، ولعل ما يثبت ذلك هو تصريح لأحد قادة الإئتلاف الكبار لقناة العربية : إن المراكز المهمة التي نشغلها في دوائر الدولة هو ( الثلث فقط ) مع إننا نشكل 65% ويشغل الأخوة السنة والأكراد الثلثين . إن هذا المسؤول وهو يطرح هذه الحقيقة يشعر بالفخر إذ أنه تنازل عن حق الشيعة في ممارسة مسؤلياتهم في البلد للسنة كي يثبت عدم طائفيته وهذا تحليق في المثل وتجاهل للواقع . علما أن وزير الثقافة أسعد الهاشمي المقرب من طارق الهاشمي عيَّن 800 من السنة في قطاع السياحة ، ووزراء الإئتلاف يهمشون أخلص وأكفأ عناصر أبناء العراق ويستخفون بطاقاتهم وبتاريخهم الجهادي .

2- الإنكفاء على النفس ، من ثقافة الحوزة ، وهذه الخصلة برزت بشكل أكثر وضوحا لدى مسؤولي حزب الدعوة من قائمة الإئتلاف فقد اتصفوا بالهروب عن مقابلة الناس حتى أصبحت مقابلة الوزير أو المستشار أو المدير العام وغيره منهم في داخل العراق ضرب من المستحيل ، وحتى أولئك الذين يزورون عوائلهم في بعض عواصم الدول الغربية فإنهم يغلقون ( تليفوناتهم ) ويجتهدون في الإبتعاد عن مقابلة حتى أولئك الذين كانت تربطهم بهم روابط وثيقة يصل حد ( الزاد والملح ) ولسنوات طويلة . وهناك أمثلة عديدة بالأسماء والأرقام لايسع المقال لذكرها . بينما نرى أصحاب ثقافة السلطة ينفتحون على ( ناسهم ) وتجد ابوابهم مشرعة حتى لمن يخالفهم في الرأي ، ويتابعون أبناء جلدتهم من أصحاب المشاريع والكفاءات كما أنك وببساطة تستطيع أن تلتقي بهم في داخل العراق وبمن يزور العواصم الغربية من خلال اللقاءات وفي وسعك وبما تستطيع أن تفعله مع حاملي ثقافة الحوزة أن تضع بين أيديهم تجربتك ومشاريعك ليستفيدوا منها ويفيدوا ولعله من المفيد أن نسوق بعض الأمثلة على ذلك حيث أن المقيمين على مؤتمر المقابر الجماعية الذي عقد في سبتمر الماضي بلندن اجتهدوا من أجل الإتصال بحاملي ثقافة الحوزة ولم يحصلوا على إذن صاغية وقد بادر الأكراد على استعدادهم لإقامة المؤتمر القادم في كردستان ، وكذلك سعى البرلمانيون في إقليم كردستان الى مقابلة القائمين على (مؤتمر التعليم العالي في بريطانيا ) والذي يترأسه الدكتور عباس الحسيني وإقناعه على عقد المؤتمر القادم في إقليم كردستان . وكلنا رأينا ما فعله طارق الهاشمي في لندن من لقاءات متعددة مع العراقيين والنشاطات التي قام بها خدمة لقضيته .. وهذا ما يجعلنا نعترف حقا أن القوم هم فعلاً رجال ثقافة السلطة وأن الذين يهربون عن أقرب الناس إليهم ويتنصلون حتى عن ذوي الشهداء هم فعلاً من حملة ثقافة الحوزة .