الكتاب الفضيحة!(1-3) "مقدمة فى فقه اللغة العربية"؟
أم فى الجهل والحقد والبهلوانية؟
د. إبراهيم عوض
الموقع والمدونة:
http://ibrawa.coconia.net/index.htm
http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9
3 فبراير 2007


فى أحد المواقع التبشيرية فوجئتُ، وأنا أقوم بجولة فى المِشْباك بحثًا عن شىءٍ يتعلق بكتاب الدكتور لويس عوض: "مقدمة فى فقه اللغة العربية"، أن أصحاب هذا الموقع يعرضون الكتاب عندهم ويُغْرُون القارئ بتحميله ويسهّلونه له فى طبعة ثانية منه صادرة عن دار "رؤية" للنشر والتوزيع عام 2006م. ولم أكن قد قرأت الكتاب من قبل رغم الضجة التى أثارها وقت صدوره فى أوائل الثمانينات من القرن الماضى، إذ كنت بالخارج حينذاك، ولما عدت كان الكتاب قد صودر، فظلت معرفتى به مجرد أقوال سماعية متناثرة لا تَشْفِى الغليل. ومن ثم حمدت الله أن أتاح لى هذه الفرصة فقمت بتحميل الكتاب وحفظته عندى على الكاتوب إلى أن يتاح لى الوقت لقراءته. ثم انتهزت أول سانحة لمعرفة ما يحويه من أفكار فشرعت أقرؤه وأسجل ملاحظاتى فى ملف بالجهاز على ما أقرأ أولا بأول، وقد أقوم بالبحث بين الحين والحين عن شىء يتصل بما أكتبه وأحفظه عندى كذلك، ثم تركت الأمر برُمّته انتظارا لفرصة أخرى، إذ كنت مشغولا بأمور أكثر إلحاحا، مما عطلنى عن استئناف المسألة عدة أسابيع. وأعترف للقارئ أن قراءتى للكتاب لم تكن قراءة مستغرقة، كما كنت أكتفى أحيانًا ببعض الفقرات والأمثلة عن متابعة الباقى الذى لا يضيف جديدا.
وقد تنبهت أوانها أن الرجل قد جشّم نفسه عملا هو غير مؤهل له على الإطلاق، إلا أن الأمر رغم ذلك لم يبد لى ساعتها على فداحته التى تبدت لى حين عكفت على الكتابة عنه ومناقشة ما ورد فيه، إذ كانت عوراته الفكرية والعلمية والدينية تتكشف كالحة رهيبة تبعث على الاشمئزاز والقرف. ترى ما الذى أدخل الرجل فى هذه المضايق وهو غير مستعد لها؟ ترى من أين للرجل بتلك الآراء الفطيرة علميا والمسيئة للمسلمين ودينهم؟ وتنبهتُ إلى أنى قد حصلت على الكتاب من موقع تبشيرى قبطى يكره العروبة ويهاجم الإسلام ويشتم الله والرسول والصحابة. إذن فقد انجلى السر، وظهر أن الذين دافعوا عن الكتاب واتهموا ناقديه بالتعصب لم يقولوا الحقيقة، وإلا فلماذا يحرص مثل هذا الموقع على عرض ذلك الكتاب والتصايح بالإعلان عنه إذا كان مجرد كتاب يبحث فى اللغة العربية ولا يريد بالعروبة والإسلام شرا؟ وكنت كلما مضيت فى الكتابة ومراجعة النصوص التى سجلتُ عنها ملاحظاتى الأولى أزداد استغرابًا وشُدْهًا ويتحقق لدىّ أن لويس عوض لم يكتب كتابه لوجه العلم، فقد كان واضحا أن كل ما فيه لا يمت إلى العلم بصلة، كما أنه لا يعرف عن موضوعه شيئا يؤهله لامتشاق القلم والكتابة عنه. إنها روح صليبية فعلا كما جاء فى بعض ما كُتِب عن الكتاب، وليس دفاعُ من دافعوا عنه وأعادوا نشره ووضعوه على المشباك إلا تضليلا فى تضليل.
على أنى أحب أن أنبه منذ البداية إلى أننى لم أكن أعرف الدكتور لويس عوض شخصيا ولا كانت لى به صلة على الإطلاق ولم أره على الطبيعة قط، بل كانت كل علاقتى به هى علاقة القارئ بأى صاحب قلم. وقد قرأتُ له كثيرا من كتبه، وكنت فى وقت من الأوقات من المستطرفين لبعض ما يكتب، ثم قرأت متأخرا عن إبّانه ما كتبه الأستاذ محمود شاكر رحمه الله ينبّه إلى ما فى كتاباته من سموم وكراهية للإسلام والمسلمين، وذلك فى معركة "هامش الغفران"، التى كسحه فيها شاكر كسحا وحطمه تحطيما، وإن لم يَعْدُ الأمر عندى حدود المعركة التى دارت بن الطرفين آنذاك.
وكنت، حين بدأت أقرأ الكتاب، قد استخرجت من مكتبتى الخاصة كتاب الأستاذ رجاء النقاش: "الانعزاليون فى مصر"، الذى رد فيه على لويس عوض عندما كتب مقالاته فى السبعينات من القرن الفائت يهاجم العروبة وينكر أن تكون مصر عربية رغم لغتها العربية وأدبها العربى وتاريخها العربى وفكرها العربى ودينها العالمى الذى حمله إليها صحابة الرسول العربى محمد صلى الله عليه وسلم (والبند الأخير هو مربط الفرس فى "ذلك كله"، وما "ذلك كله" إلا توطئة له وذر للرماد فى العيون كيلا ترى العيون هذا البند الأخير)، فألفيت الأستاذ النقاش قد أحسن الرد على لويس عوض إلى حد كبير. إلا أن... نعم إلا أن...! وهاكم توضيحا للأمر: فلرجاء النقاش فى بعض الأحيان مواقف فكرية نبيلة وجريئة يأخذ فيها جانب الحق والعدل فيدفع الشرفاء إلى الإعجاب به وبما يكتب، لكنه فى بعض الأحيان الأخرى للأسف يتخذ من المواقف ما لا ينسجم أو يتسق مع حق أو عدل.
ومن المواقف الأخيرة ما كتبه قبل عدة سنوات دفاعا عن رواية "وليمة لأعشاب البحر" محاولا أن يجعل من فسيخ تلك الرواية شربات، ومن خرائها عطرا فوّاحًا تَلَذّه الأنوف وتنتشى منه النفوس، إذ ادعى أن الرواية المنتنة التى يدعو صاحبها الفتاة العربية المسلمة، بكل ما يملكه من خبثٍ إبليسى وشرٍّ شيوعىٍّ مَرِيدٍ، إلى التمرد على تقاليد العفة ومكارم الأخلاق الإسلامية والرمى بنفسها وجسدها فى مستنقع الرذيلة والخنا، ويجعلها تمارس الزنا مع شيوعى كافر سافل أنانى ساقط يستغل براءتها وغرارتها وغياب أسرتها عن البيت ويظل طول الليل يجامعها فى منزل أسرتها الخالى، ادعى أن هذه الرواية تدور حول قصة حب رقيقة مرفرفة! الله أكبر! ولا أدرى كيف استطاع أن يجد فى نفسه تلك الجرأة التى تقلب الباطل حقا، والحق باطلا دون أية مبالاة بالقراء الذين اطلعوا على الرواية وأدركوا حقيقة العفن بل القىء الخلقى والفنى الذى يلوث كل صفحاتها، وكذلك دون أى اعتبار لقيم الإسلام الكريمة التى ينافح عنها فى بعض الأحايين ويقف حائلا دون ما يريد أهل القلوب المريضة أن يلطخوا به وجهها. ألا إن هذا لأمر غريب! ومثل ذلك مدحه بل تمجيده لرواية "العار" لتسليمة نسرين البنت البنجالية المفعوصة التى هاجمت الإسلام والمسلمين فى روايتها وزعمت بشأنهما الأكاذيب الحاقدة ولم تدع شيئا يلطخهما إلا انتهجته ببجاحة وكذب ما بعدهما بجاحة أو كذب، وانحازت تماما إلى الهندوس المتعصبين وصوّرتهم ملائكة أطهارا ينكِّل بهم ويغتصب فتياتهم المسلمون المتوحشون، فجاء رجاء النقاش وأطرى الرواية وصاحبتها أيما إطراء زاعما أنها إنما تدافع عن قيم الإسلام الحقيقية!
ومن مواقف الأستاذ النقاش الكريمة تلك المقالات التى كتبها ردا على لويس عوض وأشباهه ممن ظنوا أن بمستطاعهم اجتيال المصريين عن نسبهم الثقافى العربى الذى خلعه عليهم الإسلام العظيم وشاركهم فيه إخوان الوطن من الأقباط الشرفاء الذين لم يجدوا فى دين محمد ما يؤذيهم فى كرامتهم أو يحرمهم من حرية المعتقد والتدين فدخلوا فيما دخل فيه إخوانهم المصريون المسلمون من اللسان العربى والأدب العربى والفكر العربى، ولم يجدوا فى شىء من ذلك ما يتعارض مع تمسكهم بدينهم وعباداتهم وشرائعهم. ذلك أن لويس عوض قد هبّ فى السبعينات من القرن المنصرم لظنه أن الوقت قد حان كى يتقايأ ما فى بطنه من سخائم ضد العرب والعروبة والإسلام زاعما أن مصر لا علاقة لها بالعروبة وأن المصريين ليسوا عربا، وأنه ليست هناك عروبة بأى معنى من المعانى، بل هى أوهام لا ترتبط بالواقع أى ارتباط. ومعروف أن هذا أسلوب من الكتابة يعتمد على التقدم خطوة خطوة، حتى إذا تمت الخطوة الأولى تبعتها مقدمات الخطوة التالية ثم الخطوة التالية ذاتها... وهكذا دواليك حتى يتم المراد النهائى، وهو قطع الوشائج تماما ما بين مصر والإسلام. هذه هى الغاية الأخيرة للويس عوض وأشباهه.
ويجد القارئ تلك المقالات الممتعة التى رد بها رجاء النقاش على لويس عوض فى كتابه: "الانعزاليون فى مصر"، وكان قد كتبها فى السبعينات فى مجلة "المصور" المصرية، ثم جمعها فيما بَعْد فى الكتاب السابق. وهى مقالات ممتعة أسلوبا ومنهجا وقوة حجة ومقدرة على تعرية السفاهات والتفاهات والضحالات الفكرية التى انتحاها لويس عوض فى الهجوم على العروبة تطرُّقًا للهجوم بعدها على الإسلام ذاته حين يؤون الأوان، وكل وقت وله أذان!
ولا يكاد الإنسان يختلف مع مقالات الأستاذ النقاش فى شىء، اللهم إلا فى إبرازه للعروبة وتأخيره الإسلام إلى الصف الثانى مع أن العروبة لا معنى لها بل ما كان ليكون لها وجود أصلا فى مصر وخارج الجزيرة العربية بوجه عام لولا الإسلام، وإلا تكرُّر وصفه للويس عوض بالكاتب الكبير، وإن كنت أرى أنه قد يكون لجأ إلى هذا كى يمرر كلامه دون أن يحدث ضجة أو يستفز أحدا من الموالين للويس. فإن كان الأمر كذلك فلا بأس، وإلا فليس لويس عوض عندنا ولا عند أحد من المحققين بالكاتب الكبير، وإلا فعلى اللغة العفاء! ورحم الله الأستاذ محمود شاكر، الذى مسح بما كتبه لويس عوض الأرض ذهوبا وجيئة، وجيئة وذهوبا حتى اتسخت ملابسه وضاعت معالم وجهه من السحل والتمريغ على الأرض وأصبحت بلون التراب، بل أصبحت هى التراب ذاته، وتكأكأ المارة يستطلعون طِلْعَ الأمر، ووقتها كان الذى لا يشترى يتفرج! وصح أن يُضْرَب به المثل فيقال: "بهدلة ولا بهدلة شاكر للويس"!
أما ما كان الدكتور لويس يعتقده فى نفسه من أنه لا أحد يمكن أن يرتفع إلى قامته السامقة بحيث يكون نِدًّا له سبحانه (انظر نسيم مجلى/ لويس عوض ومعاركه الأدبية/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1995م/ 19/ هــ 2)، فكل إنسان حر فى أن يرى فى نفسه ما يحلو له، فالكلام (كما يقول العوام) ليس عليه جمرك! وكذلك ليس على يوسف إدريس من حرج فى أن يقول فى مقال له بجريدة "الأهرام" بتاريخ 20 نوفمبر 1989م: "إن الدكتور لويس عوض واحد من أعظم مفكرينا العرب فى كل التاريخ العربى"، إذ ما علاقة يوسف إدريس بالفكر؟ ومن فوّضه للحكم على المفكرين؟ وإنما هو كاتب قصة قصيرة بأسلوب فيه ركاكة ملحوظة يُحْسِن حينا ويسىء أحيانا، ولا على الأستاذ نسيم مجلى أن يقول عنه بدوره إنه "معلم من طراز نادر"، وإن صيته قد ذاع حتى تعدى المنطقة العربية "إلى آفاق عالمية فى الشرق والغرب" (المرجع السابق/ 15)، لأن العبرة بالحقائق لا بالأوهام كما سوف يرى القارئ بنفسه من خلال هذه الدراسة التى يطالعها الآن، وإلا فكما هو معروف ليس هناك قانون يمنع أى إنسان من أن يقول ما يشاء فيمن يشاء لمن يشاء، وفى أى وقت يشاء، وبالطريقة التى يشاء.
لكن الأستاذ النقاش، كما عودنا على اتخاذ مثل تلك المواقف والآراء النبيلة الكريمة والمنافحة عنها، عودنا أيضا بين الحين والحين على اتخاذ أوضاع أخرى. فمثلا حين هبّ بعض الأساتذة للرد على ما فى كتاب لويس عوض الذى بين يدينا عن العرب ولغتهم من أباطيل وترهات وأحقاد خبيثة، وقف فى وجههم طالبا منهم أن يجادلوه بهدوء، وكأنهم كانوا يمسكون بخناقه ويمزقون ملابسه ويضربونه بالنبابيت ويصيحون فى الجو صيحات منكرة، مع أن كلام لويس عوض لا يصلح معه إلا الفضح والتعرية والتنبيه إلى ما لجأ إليه فى كتابه هذا الضحل من بهلوانيات لا تليق بالعلم ولا بأهله وكذلك إلى ما يستكن فى قلبه من تعصب ممقوت ضد الإسلام والقرآن على ما سوف يأتى بيانه. وكان أحرى بالأستاذ رجاء، بدلا من ذلك، أن يرد هو أيضا على هذه الزُّيُوف السمجة التى صدع بها لويس عوض أدمغتنا وفلق بها هامة البحث العلمى وهام بها فى بيداء الأوهام العجيبة التى يتبرأ منها كل منطق وكل منهج من مناهج الفكر والكتابة. صحيح أنه، فى الكتاب الذى كنا بصدد الحديث عنه قبل قليل، قد سبق أن رد عليه كلامه الفِجّ عن العروبة، بَيْدَ أن ما قاله لويس فى ذلك الحين عن العروبة لا يعد شيئا بإزاء ما ورد فى كتابه الجديد عن العربية وأهلها وعن كتاب الله المجيد. إنه فى هذا الكتاب قد طلق العقل والمنطق والعلم والتفكير المنهجى السليم بالثلاثة واستبله غاية الاستبلاه، أو كما نقول فى اللغة العامية: "ساق الهبل على الشيطنة" وتدهدى فى البحث العلمى وبالبحث العلمى إلى هوة سحيقة القرار!
ويتلخص كتاب الدكتور لويس عوض فى أن العرب أمة حديثة عهد بالوجود على صفحة التاريخ، وأنهم لا ينتمون إلى هذه المنطقة، بل هم مجرد قبائل رُحَّل انتقلت من بلاد القوقاز فى الزمان القديم إلى ما يسمَّى بــ"الجزيرة العربية"، وأن لغتهم لغةٌ بزرميط لا شخصية لها، فضلا عن أن يكون لها أية ميزة على غيرها من اللغات، وأن العامية المصرية هى لغة مستقلة عن العربية الفصحى لا تربطها بها صلة إلا كما ترتبط أى لغتين مستقلتين تأخذان من مصدر واحد فى بعض الأحيان، فضلا عن عبثه الشيطانى بلغة القرآن المجيد، وكذلك المزاعم الجاهلة الحاقدة بشأنه... إلخ.
*****
وكنت، أثناء قراءتى ما خطته يد لويس عوض فى كتابه الذى بين يدىّ، أجد كلاما لا وشيجة تَشِجه بالعقل ولا بالمنطق ولا بمنهج العلم، كلاما لو أن إنسانا توخى توخيًا أن يكون كلامه فى الغاية من التهافت والتنافر ومدابرة الفهم والفقه ما استطاع أن يصل إلى ذلك القرار السحيق! هذا ليس بكلام البشر، إنما هو كلام الشياطين! والعجيب، كما سمعت، أن ينبرى بعض من لا لهم فى العير ولا فى النفير فيمدحوا لويس عوض ويلقبوه بـ"ابن منظور القبطى"، وكأن ابن منظور كان عَيِّلاً يلعب فى الشارع حتى يشبَّه به كل من هب ودب! وكأن المسالة مناقرة، فإذا كان هناك ابنُ منظورٍ مسلمٌ فلا بد أن يكون هناك بإزائه ابنُ منظورٍ قبطىٌّ، ولا أحد أحسن من أحد. كذلك لم يكن ابن منظور يعدو قدره ولا يتدخل فيما لا يحسن ولا يطجّن فى كتاباته، بل يلتزم بما يعلم أنه يصلح له، ويحترم عقل نفسه وعقل القارئ معه. أما لويس عوض فهو ليس عالما لغويا ولا علاقة له بلسان العرب سوى أنه يكتب به، وإن لم يكن من المبرّزين فيه، بل أسلوبه مما يحسنه أى أحد، أما أن يكون قد درس لغة القرآن وعرف تاريخها وعلومها فلا. إنما هو متخصص فى جانب من جوانب الأدب الإنجليزى، فدراسته إذن لا تؤهله للخوض فى ذلك الموضوع، كما أن قراءاته فى الموضوع ضحلة ويتبين منها بكل وضوح أنها قراءات سطحية وأنه لم ينتفع بشىء منها، فضلا عن أن الأسلوب الذى اتبعه فى تأليف كتابه ذاك هو أسلوب مضحك غاية الإضحاك، إذ ما على الإنسان الذى يريد أن يكتب بنفس الطريقة إلا أن يخلّف عقله خارج الغرفة التى يكتب فيها ويغلق الباب بينه وبين ذلك العقل بالضبة والمفتاح ثم يقيم عليه حرّاسا شدادا غلاظا حتى لا يُقِلّ "عَقْلَه" ويعود فيقتحم الغرفة عليه!
ثم إن ابن منظور كان عالما يعرف كيف يحترم العلم وكيف يزن كلامه بميزان العقل، ولم يكن يقول كلاما متفلتا آتيا من وراء أسوار الفهم. كما أن ابن منظور قد خدم العربية وبذل فى تلك الخدمة غاية ما فى وسعه، وكان يغار على القرآن وعلى لغة القرآن وينافح عنهما بكل قواه، أما لويس عوض فقد شمر منذ البداية وفى نيته، كما يتوهم، أن يضرب لغة القرآن ضربة قاضية لا تبقى على شىء فيها ولا تذر! وهو بهذا إنما ينفذ مخططا كان قد بدأه فى الأربعينات حين وضع ما يسمى: "ديوان بلوتولاند" العامى السخيف بغية كسر بلاغة اللغة العربية (كسر الله رقبة كل من يفكر فى كسر رقبة بلاغتها!) والاستعاضة عنها بالعامية اليومية كى يأتى اليوم الذى نستيقظ فيه فنجد أن ثمة سورا ضخما عاليا يقوم بيننا وبين تراثنا وكتاب ربنا! فما لابن منظور إذن وما لا بن عوض؟ أما قول هؤلاء البعض عن لويس عوض: "أستاذنا الدكتور لويس عوض" فليس أمامى إلا أن أقول وكلى أسف وحزن: "عليه العوض، ومنه العوض!". إنه لا يعرف شيئا عن التمر هندى كما تقول العامية التى يريد أن يزيح اللغة الفصحى (لغة القرآن الكريم) ليُحِلّها محلها كخطوة أولى نحو إعادة عقارب الساعة مئات السنين إلى "الخَلْف دُرْ" وإحياء القبطية والقضاء على الإسلام! فأل الله ولا فألكم يا بُعَداء!
كذلك لا يعرف لويس عوض تلك اللغات الكثيرة التى يكرر ذكرها فى كتابه العجيب الخالى من كل علم ومن أى منهج سوى طريقة البهلوانات، إن صح تسمية ما يأتيه البهلوانات: "منهجا"، وذلك على عكس (بل على رغم) ما يزعمه بعض من يتحمسون له، إذ يحاول هؤلاء أن يلقوا فى رُوع القارئ المسكين أن الدكتور لويس كان يعرف كل اللغات التى وردت فى كتابه من سريانية وحبشية وآرامية وعبرية وأكادية ونبطية وسنسكريتية وفارسية ومصرية قديمة وأرمنية وإيطالية وألمانية ويونانية وإسبانية وهولندية وسويدية ودانماركية وقوطية وأنجلوسكسونية وغيرها من اللغات التى تكررت الإشارة إليها عنده قائلين إن معرفته بلغات كثيرة قد أفادت بحثه ذاك، مع أن الرجل لم يكن يعرف سوى الإنجليزية، وهى تخصصه، والفرنسية فيما أظن، وربما اللاتينية إلى حد ما على أساس أنه درسها على هامش تخصصه فى اللغة الإنجليزية. أما الإيطالية، التى أذكر أنه أشار إلى إقباله على تعلمها فلا أحسبه أتقنها، وإلا لظهر أثر ذلك فى كتاباته ومراجعه.
وإذا كان الأستاذ شاكر قد هتك عواره فى الإنجليزية ذاتها، فما بالنا بالفرنسية، التى لا أستطيع أن أتذكر أنه ترجم منها شيئا إلى العربية؟ ودعنا من اللاتينية التى لا أظنه كان يعرف منها إلا ما كنا نعرفه نحن من الفارسية أو العبرية حين كنا ندرسها كلغة شرقية فى الجامعة. وكثير منا نحن المهتمين بتعلم اللغات الأجنبية قد يتعلم منها لغة أو أكثر غير تلك اللغات التى يتقنها، لكنه لأمر أو لآخر لا يواصل تعلمها إلى المدى الذى يتقنها فيه كما حدث لى حين تعلمت الألمانية والفارسية فى أوائل ثمانينات القرن الماضى وقطعت فيهما شوطا لا بأس به، وبخاصة فى الألمانية التى كنت أقرأ بعض ترجمات القرآن بها، ثم لم تساعدنى ظروفى على المضى فيهما إلى آخر الشوط فنسيت ما كنت تعلمته منهما للأسف الشديد.
ولعل سائلا يسأل: فكيف كان الدكتور لويس يفتى فى أمر كل تلك اللغات المشار إليها؟ والجواب من أبسط وأسهل ما يمكن، فقد وضع الرجل أمامه كتابين أو ثلاثة لبعض علماء اللغة الأوربيين وأخذ ينقل منها بطريقة تُوهِم من ليست عنده خبرة فى التعامل مع لويس عوض وأمثاله أنه كان يتقن كل تلك اللغات، على حين أنه لم يكن يدرى عنها شيئا البتة! وعلى أية حال فلا يوجد فى مراجعه التى قلما يذكرها إلا بعض الكتب الإنجليزية والفرنسية. فهذه المبالغة إذن لا تستحق الالتفات، ذلك أن المقارنات التى يجريها فى الجذور وما إليها هى، كما أوضحنا، من عمل بعض اللغويين الأوربيين (مثل كونى وهرمان مولر وبوزواك) لا من عمله، وإن حاول أن يضيف هنا أو ها هنا من لدنه شيئا سخيفا ضحلا كالعادة. وأرجو من القراء أن يرجعوا إلى ص 168، 171- 175، 192- 197، 232 مثلا. وعلى هذا لا ينبغى أن نكون ملكيين أكثر من الملك نفسه.
هذا، ولعله من الضرورى هنا أن أكرر ما قلته آنفا من أن للويس عوض بعض الإضافات الماسخة إلى ما ينقله "بالويبة" عن كُونِى فى المقام الأول وعن مُولَر فى المقام الثانى، ألا وهى تعليقاته الجاهلة عن اشتقاق هذه اللفظة العربية أو تلك، من تلك اللفظة الأجنبية أو هذه، مما لا يجرى فيه على منطق أو منهج أو علم، إذ هو أقرب إلى الهلاوس التى لا يُلْتَفَت إليها فى ميدان العلم إلا على سبيل التندر والسخرية والترفيه عن النفس وإضحاك القراء! وأيا ما يكن الأمر فليست العبرة فى معرفة اللغات وحدها، بل العبرة كل العبرة فى العلم الواسع والعميق بالموضوع المراد درسه، وبسلامة المنهج، والإخلاص فى العمل، والاجتهاد الذكى، والدُّؤُوب فى السعى وراء الحق، وتوخِّى أكبر قدر ممكن من الموضوعية، وهو ما لم يستطع لويس عوض الوفاء ولو بواحد على الألف منه! وعلى هذا فتشبيه لويس عوض بكبار الباحثين اللغويين العرب، فضلا عن الزعم بأن ما كتبه هؤلاء العلماء الأعلام إنْ هو إلا تمهيد لكتاب لويس عوض السطحى الذى بين أيدينا كما فعل حامد الظالمي فى مقاله: "لويس عوض ومنجزه في فقه اللغة العربية" بموقع "lنs pه arabiska"، لا يمكن أن يأخذ به باحث جاد، فليست الأمور بالمزاعم والأمنيات، بل بالحقائق والإنجازات، وإلا لصدقنا العبارة التالية، وهيهات، إذ لا أحسب الأمور قد فسدت فى الوسط العلمى إلى الحد الذى يقبل عاقل أن يسمع، فضلا عن أن يوافق على قول من يقول إن "الكتب المؤلفة في فقه اللغة كثيرة جدا ولكنها غير مثيرة، فهي باعتقادي مقدمات لكتاب لويس عوض، فهي كتب تتناول تعريف فقه اللغة وكيفية دراسته ولم تدخل في صلب هذا العلم الذي دخله الدكتور لويس عوض في كتابه ذاك على الرغم من عدة ملاحظات عليه. فكُتُب فقه اللغة العربية تُعَدّ بالعشرات بدأها في الأربعينات الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه: "فقه اللغة"، وبعده كتاب الدكتور صبحي الصالح: "دراسات في فقه اللغة" وكاصد الزيدي وحاتم الضامن، فضلا على الدكتور تمام حسان والدكتور عبد الصبور شاهين والدكتور إبراهيم أنيس والدكتور رمضان عبد التواب والدكتور عبده الراجحي والدكتور إبراهيم السامرائي وغيرهم، وكذلك دراسات المستشرقين في هذا العلم ككتاب "فقه اللغة" للمستشرق كارل بروكلمان وإسرائيل ولفنسون ونولدكه ورابين وغيرهم، ولكن كتاب"مقدمة في فقه اللغة العربية" يُعَدّ دراسة متعمقة في موضوع الأصول اللغوية والتاريخية والأنثربولوجية للشعوب العربية وما جاورها، وان كان الخلاف فيه كبيرا".
ولسوف يتبين للقارئ فى خلال هذا البحث أن ما كتبه الدكتور لويس عوض لا يدخل فى باب العلم إلا على سبيل الهزل والمعابثة، إن لم نقل: على سبيل المكايدة! بيد أن لسبيل العلم وجهتها، ولسبيل المعابثة والمكايدة وجهتها، وهما وجهتان لا تلتقيان أبدا ولا تتسقان! الحق أن هذه أضغاث أحلام، وما نحن عن أضغاث الأحلام ولا عن أصحاب أضغاث الأحلام بمسؤولين! ولقد كان لويس عوض يعيش فى الأوهام بالنسبة إلى ما يصنع، إذ كان يتوهم أنه رائد فى كل شىء ويحب أن يعيش فى هذا الوهم لا يفارقه. فمثلا نراه يؤكد فى حديث له مع نبيل فرج فى مجلة "الثقافة" فى يونيه 1990م تحت عنوان "غيبة العقل عطلت فكرنا وجمدت نهضتنا" أنه هو الذى أرسى قواعد المنهج التاريخى فى النقد، أى دراسة الأعمال الأدبية بوصفها نتاجا للبيئة التى أفرزته، مع أن النقاد عندنا يعرفون هذا المنهج منذ زمن طويل. فطه حسين مثلا، حين كتب رسالته الأولى فى الجامعة المصرية عن أبى العلاء، قد اصطنع هذا المنهج، وكان ذلك فى أوائل القرن، وكان موقفه منه وفهمه له فى منتهى الوضوح، ولا يقاس العَكّ الأزلى الذى صنعه لويس عوض بما فعله طه حسين، فضلا عن أسلوب طه الجميل العذب الذى لا يستطيع لويس منه ولا عشر معشاره! ولم يكتف عالمنا العلامة الفهامة بالريادة المضروبة فى مجال النقد التاريخى أو الاجتماعى، بل عطف على الشعر التفعيلى، وكذلك الالتزام فى الأدب، ولا أدرى ماذا أيضا، وأبى إلا أن يكون رائدا فى كل ذلك أيضا، متصورا أننا بلهاء بحيث نصدق ذلك السُّحْت ونعد السُّخْف التى حبر بها كتابه: "بلوتولاند" شعرا. ولم لا، والأمر لا يستلزم إلا أن يزعم هو ذلك، والمزاعم بحمد الله لا تنقصه ولا الجراءة فى الباطل، فضلاً عن أنه عريض الصوت طويل الكلام عالى الصياح؟ وكله كوم، وحواريوه كوم آخر، فكل منهم يقول عنه: "أستاذى"، بل سماه أحدهم، فيما قرأت، بـ"ابن منظور القبطى"، مع أن الرجل جاهل بلسان ابن منظور جهلا فاحشا مخجلا. فإذا كان هذا هو حال الأستاذ، فكيف يا ترى يكون حال التلامذة النجباء؟
إن لويس عوض يتفاخر بأنه لا يهتم بدراسة النحو والصرف وأنه استقى معرفته بالأسلوب من قراءة النصوص الراقية. والسؤال هو: أَوَيُمْكِن أن يقدم رجل مثله لم يتقن المعرفة بقواعد اللغة العربية على التعرض لأصول هذه اللغة وتاريخها على مدى آلاف السنين بالفتيا والتشخيص وكأنه طبيبٌ نِطَاسىّ؟ إن هذه، والحق يقال، لجرأة لم يقابلنى فى حياتى مثيل لها! لقد كتب الشيخ حسين المرصفى مثلا أن الشاعر محمود سامى البارودى قد بلغ ما بلغ من إتقان لتراكيب الكلام العربى دون أن يدرس الآجرومية، فاستغربت ذلك القول منه أشد الاستغراب، وعلّقت بأن الأمر لا يمكن أن يكون على ما قاله الشيخ الجليل رغم توضيحه، رحمه الله، لذلك بقوله إن البارودى كان ينصت إلى العالمِين بالشعر واللغة وهم يقرأون ما يقرأون من قصائد، أو يقرأ هو عليهم ما يعجبه من شعر فيصححونه له، وظل الأمر على هذا النحو حتى اكتسب سليقة اللغة. ومضيت فى استغرابى ودهشتى غير مصدق لما قاله للأسباب التى بسطتها فى الفصل الأول من كتابى: "مناهج النقد العربى الحديث" رغم أخذ معظم من ترجموا للبارودى به... إلى أن اطلعت على ترجمة الدكتور على الحديدى للشاعر فى سلسلة "أعلام العرب" فإذا بربّ السيف والقلم قد درس النحو والصرف دراسة رسمية لا مرة واحدة بل مرتين: مرة فى المدرسة وهو صبى صغير قبل أن يلتحق بالمدرسة الحربية ليكون ضابطا فيعيد دراسة النحو والصرف فيها مرة أخرى، فحمدت الله أن شكوكى كانت فى مكانها ولم تَطِشْ لأنها من مقتضيات العقل والمنطق. ثم إن البارودى قد عكف على الشعر العربى فى عصوره المزدهرة وأخذه مشافهة على يد كبار العلماء بذلك الشعر وحفظ كثيرا من نماذجه الرفيعة، ولم يتقممه من هنا وههنا ولم يقل فى بيت المعرى المشهور عن حلب (مثلما قال بعضهم لأنهم لا يقرأون ولأنهم يعتمدون منهج البهلوانات فى الفكر والأدب): "الصُّلْبَان" بدل "الصِّلِّيَان" كى يثبتوا لدين طائفتهم دورا لم يكن له، فى الوقت الذى يتظاهرون فيه مَيْنًا وزُورًا بأنهم علمانيون لا يعنيهم الدين فى قليل ولا كثير! فهذا ما يجعلنى أستغرب أشد الاستغراب اقتحام لويس عوض ميدان فقه اللغة العربية بغُشْمٍ منه وخُرْق لا يليقان بأهل العلم!
لقد سأله نبيل فرج، فى حديث له معه فى جريدة "الصياد" اللبنانية فى 31 ديسمبر 1982م عنوانه: "تطوير اللغة العربية"، عن كتابه هذا قائلا: "ألا ترى أنه قد يثير الدهشة أن تضرب بسهم قوى فى اللغة العربية، بينما دراستك العلمية المتخصصة هى الإنجليزية؟"، فكان جوابه أنه ما دام يكتب بالعربية ويقرأ بالعربية ويتكلم بالعربية ويدرس التراث العربى فمن حقه أن يدرس الشعراء العرب ويكتب عنهم ويخوض فى فقه اللغة العربية! وهو جواب عجيب، وإلا فالذين يقرأون ويتكلمون ويكتبون بالعربية أكثر من الهم على القلب، وليس هذا مسوغا لهم أن يصنعوا ما يصنع لويس عوض. وهو يقول إنه قرأ التراث العربى، فهل هذا صحيح؟ ربما قرأ فيه شذرات، لكنه لم يفهم هذه الشذرات الفهم اللائق، ولا هو مخلص كى نطمئن إلى حسن تأتيه لما يتناوله. ودَعْكَ من أنه لا يحسن استعمال المنهج العلمى فى هذا الميدان كما سوف نرى. وبمناسبة "السهم القوى" الذى ضرب به فى اللغة العربية حسب تعبير نبيل فرج، فإنى لا أفهمه على أن المراد به المساهمة بنصيب فى دراسة تلك اللغة، بل على أن المراد هو تصويب سهم سامٍّ إليها، لكن دون أن يوفقه الله طبعا إلى تحقيق ما فى نيته، إذ قيض الله له من يفضح زيفه وخبطه.
*****
والآن إلى استعراض ما جاء فى كتاب عبقريّنا، ونبدأ بشبهته التى يقول فيها إن أول ظهور للعرب على مسرح التاريخ في الشرق الاوسط قد ورد في نص لشالمانصر الثالث ملك آشور (859- 824 قبل الميلاد) محفوظ فى مكتبة آشور بانيبال ملك الآشوريين (669- 630 قبل الميلاد) يتضمن إشارة الى ملكات العرب (Queens of Aribi). وفى هذا السياق نراه يؤمّن على ما قرأه من أن المرأة في المراحل المبكرة من تاريخ العرب كانت هي رأس القبيلة بدلالة هذا النص، بالإضافة إلى أن أشهر القبائل العربية تحمل أسماء مؤنثة مثل أُمَيّة وربيعة وكِنْدة ومُرّة (ص 30). هذا ما كتبه لويس عوض، لكن من أين نقل هذا الكلام؟ للأسف لم يذكر لنا شيئا عن مصدره، وإن كانت الإشارة إلى شالمنصر ونَصّه موجودة فى الفصل الأول من كتاب الدكتور جواد على: "المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام" بعنوان: "تحديد لفظة عرب"، وهو ما يجعلنى أرجح أن الدكتور لويس قد أخذها من العالم العراقى الكبير، إلا أن جواد على لم يتطرق إلى ذكر ملكات العرب ولا إلى النظام الأموى الذى ذكر لويس عوض أن العلماء يقولون بمعرفة العرب له فى فترة من فترات تاريخهم.
وإلى القارئ ما ورد عند الدكتور جواد: "أما المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون، فقد تتبعوا تاريخ الكلمة (يقصد كلمة "عرب")، وتتبعوا معناها في اللغات السامية، وبحثوا عنها في الكتابات الجاهلية وفي كتابات الآشوريين والبابليين واليونان والرومان والعبرانيين وغيرهم، فوجدوا أن أقدم نصّ وردت فيه لفظة "عرب" هو نص آشوري من أيام الملك "شلمنصر الثالث" "الثاني؟" ملك آشور. وقد تبين لهم أن لفظة "عرب" لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه عندنا من معنى، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة "مشيخة" كانت تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية، كان حكمها يتوسع ويتقلص في البادية تبعًا للظروف السياسية ولقوة شخصية الأمير، وكان يحكمها أمير يلقب نفسه بلقب "ملك" يقال له "جنديبو" أي "جندب"، وكانت صلاته سيئة بالآشوريين. ولما كانت الكتابة الآشورية لا تحرك المقاطع صَعُبَ على العلماء ضبط الكلمة فاختلفوا في كيفية المنطق بها، فقرئت: "Aribi" و"Arubu" و"Aribu" و"Arub" و"Arai" و"Urbi" و"Arbi" إلى غير ذلك من قراءات. والظاهر أن صيغة "Urabi" كانت من الصيغ القليلة الاستعمال، ويغلب على الظن أنها استعملت في زمن متأخر، وأنها كانت بمعنى "أعراب" على نحو ما يُقْصَد من كلمي "عُربي" و "أعربي" في لهجة أهل العراق لهذا العهد. وهي تقابل كلمة "عرب" التي هي من الكلمات المتأخرة كذلك على رأي بعض المستشرقين. وعلى كل حال فإن الآشوريين كانوا يقصدون بكلمة "عربي" على اختلاف أشكالها بداوة ومشيخة كانت تحكم في أيامهم البادية تمييزًا لها عن قبائل أخرى كانت مستقرة في تخوم البادية".
إلا أن ثمة كلاما آخر فى ذات الكتاب (فى الفصل الرابع عشر منه) عن نص آخر أكادى ورد فيه ذكر العرب قبل الميلاد بأكثر من ألفين من السنين لم يتنبه له الدكتور لويس (أو لعل الأَوْلَى أن نقول إنه تجاهله)، وفيه يقول العالم العراقى: "ولعل خبر نرام- سن/ نرام – سين (Naram-sin) الأكادي (2270-2223 ق.م) عن استيلائه على الأرضين المتصلة بأرض بابل والتي كان سكانها من العرب (Aribu/ Arabu) هو أقدم خبر يصل إلينا في موضوع صلات العرب بالعراق. وهو خبر ينبئك بأن عرب أيام نرام- سن كانوا في تلك المنازل قبل أيامه بالطبع، وهي منازل كوّنوا فيها "مشيخات" و"إمارات" مثل إمارة الحيرة الشهيرة التي ظهرت بعد الميلاد". وهناك عدة أسئلة نضعها إزاء ما هرف به "أستاذنا الدكتور لويس عوض" عن أصل العرب القوقازى فنقول: أليس غريبا أنه لا العرب ولا القوقازيون يعترفون بشىء من هذا الذى يقوله لويس عوض أو يذكرونه؟ ولقد فتح العرب بلاد القوقاز ودخل أهلها الإسلام، ولو كان هناك نسب مشترك لكانت فرصة لاستعادة الروابط القديمة. لكننا ننظر فلا نجد شيئا من ذلك البتة. بل أين فى تاريخ بلاد القوقاز ما يدل على أن هجرات قوقازية قد انطلقت فى ذلك التاريخ ووصلت لجزيرة العرب؟ (ص 126 مثلا). ولماذا لم يحتفظ القوقازيون بذكريات الأجداد الذين هاجروا إلى بلاد العرب؟ وأين فى تراث العرب ما يدل على أصلهم القوقازى سواء فى الروايات التاريخية أو الأساطير أو الدين أو الجغرافيا أو العادات والتقاليد أو حتى الأسماء: أسماء الأشخاص أو أسماء المواضع؟ ولماذا أخفى العرب أصلهم القوقازى ولم يفتخروا به كما تفعل الأمم؟ ثم أين ذهب سكان جزيرة العرب الذين حل محلهم القوقازيون إذا كانوا قد أزاحوهم وأجلوهم عن ديارهم؟ أو لماذا سكتوا إذا كانوا لم يجلوهم بل شاركوهم تلك البلاد؟ هل يمكن أن يكونوا قد تقبلوهم برحابة صدر وأريحية وكرم نفس فلم تثر بين القادمين وأصحاب البلاد الأصلاء أية منازعات أو خلافات؟ لكن هل هذا مما يقع فى حياة البشر؟
كذلك أين ملامح العرب من ملامح القوقازيين؟ أين فى الملامح العربية العيون الضيقة المسحوبة والبشرة الصفراء والشعر الناعم الغزير الفاحم والوجود الناتئة العظام التى تشبه المجانّ المطرَّقة كما جاء فى حديث رسول الله، وبخاصة أن العرب فى جزيرتهم كانوا شبه منعزلين عن الدنيا بحيث لا يختلطون بأحد إلا لماما وبحيث كان كل منهم يعرف نسبه إلى أبعد جد، أو على الأقل: يحرص على ذلك، بما يدل على أنهم كانوا من أنقى شعوب الأرض دما وبما كان جديرا أن يجعلهم يحتفظون بملامحهم القوقازية لو كانوا فعلا قوقازيين كما يزعم لويس عوض؟ لقد وصف كاتب مادة "Arabs" فى "Encyclopaedia of the Orient" ملامح وجوه العرب قائلا إنهم فى الغالب ذوو شعر داكن وعينين بنيتين وبشرة لا فاتحة ولا غامقة بل بين بين، وإن لم يمنع هذا أن يكون من بينهم ذو شعر أسود أو أشقر نظرا لما حدث من اختلاط بغيرهم من الشعوب: "Ethnically, Arabs are mostly dark haired with brown eyes, and medium light skin. But there are Arabs that are black, and Arabs that are quite blond. These differences are regional, and a result of the process described above."، فأين هذه الملامح من ملامح أهل القوقاز؟
ثم لماذا سكت الشعوبيون، وبالذات الفرس الذين مرت عبر بلادهم الحشود القوقازية إلى بلاد العرب، وهم الذين لم يتركوا شاردة ولا واردة مما يمكن أن يعيبوهم به إلا ولوّحوا بها فى وجوههم وشهروا بهم بسببها فى العالمين؟ ومن أين أتاهم اسم العرب؟ ولقد تكلم العهد القديم عن العرب منذ وقت طويل قبل التاريخ الذى حدده لويس عوض، وإن كان سماهم: "الإسماعيليين" بما يدل على أن العرب ينتمون فعلا إلى إسماعيل وإبراهيم، على الأقل فى قسم كبير منهم؟ ومن هنا فزعم لويس عوض بأن العرب لم يُعْرَفوا فى التاريخ باسم "العرب" إلا قبل الميلاد بألف عام على أبعد تقدير (ص 45) ليس معناه أنهم لم يكونوا موجودين قبل هذا بل قد يكون معناه، إن صح كلامه، وهو غير صحيح، أنهم كانوا يُسَمَّوْن شيئا آخر قبل ذلك. وهو نفسه قد قال إن الهجرات إما أن تذوب فى سكان البلاد الأصليين أو تزيحهم وتحل محلهم (ص 300)، فأين هذا أو ذاك فى حالة العرب والجزيرة العربية؟ لقد كانت مصر مثلا تُعْرَف قديما بــ"خيمى"، ثم بعد ذلك بـــ"إيجبتوس"، ثم عُرِفَتْ على عهد عبد الناصر بالإقليم الجنوبى من الجمهورية العربية المتحدة، لكن الجميع يتكلمون عنها الآن على أساس أنها كانت طوال تاريخها "مصر" منذ أن كانت حتى وقتنا هذا. وبالمثل كان هناك الشام، ثم أصبحت هناك سوريا والأردن وفلسطين بدلا منه. كما اختفت أسماء النبط والكنعانيين والأشوريين والكلدانيين والفينيقيين، وظهر بدلا من ذلك الأردنيون والسوريون واللبنانيون والعراقيون. ومثلهم فى هذا السبئيون والمعينيون والقتبانيون، الذين ظهر بدلا من أسمائهم القديمة أسماء العمانيين والحضرميين واليمنيين. وكذلك هناك الآن أسماء الإماراتيين والقطريين والبحرينيين والكويتيين، ولم تكن موجودة من قبل، ولم يقل أحد إنه قد جدت على تلك المناطق شعوب أخرى وبادت الشعوب السابقة. وهذا كله لو كان كلام الدكتور لويس عوض صحيحا، فما بالنا لو كان غير صحيح؟
كذلك فكلامه عن العماليق معناه أن الجزيرة كان يسكنها ناس قبل القوقازيين وأن هؤلاء هم العرب أو أصل العرب. وفى الأحاديث النبوية إشارات متعددة إلى أن أبا العرب هو إبراهيم، وفى القرآن إشارة إلى ذلك فى سورة "الحج". وكان العرب يؤمنون بأن أباهم خليل الله، فلماذا يتنكرون لأصلهم القوقازى وينتسبون إلى جد اليهود ذاك، وهم لم يكونوا يحترمون اليهود ولا يرضَوْن أخلاقهم؟ ولماذا وافقهم اليهود على ذلك وجعلوهم أبناء إسماعيل وسَمَّوْهم: "الإسماعيليين" وسجلوا كل هذا فى كتابهم المقدس؟ هل نكذّب هذا كله؟
ثم أين فى تراث البلاد التى مر بها القوقازيون حتى استقروا فى جزيرة العرب ما يدل على أن عشرات الآلاف قد مرت ببلادهم عابرة إلى الجزيرة؟ وكيف ترك أصحابُ تلك البلاد القوقازيين يعبرون بلادهم بهذه البساطة وكأنها باب بلا بواب؟ إن هذا لا يحدث إلا إذا كان العابرون من القوة بحيث يكون لهم جيش ودولة. وفى هذه الحالة فإنهم لا يخترقون بلدا مجاورا أو قريبا منهم كى يتركوه إلى بلد آخر، بل ليحتلوه ويستولوا على خيراته أو على الأقل يشاركون فيها، ثم قد ينطلقون ليضموا مزيدا من الأرض لسلطانهم. لكننا ننظر فى كلام لويس عوض فإذا به سخيف يدابر العقل والمنطق وقوانين التاريخ. وحتى لو لم يكن القوقازيون أهل قوة وجيوش وفتك، فكيف يا ترى لم تجذبهم تلك البلاد الخصبة المجاورة لبلادهم فيحطوا رحالهم فيها بدلا من أن يواصلوا الرحلة إلى المجهول ثم يستقروا فى نهاية المطاف فى الصحارى القاحلة المهلكة؟ ثم ما الذى كان فى دماغهم حين قاموا بتلك الرحلة المزعومة، وهم لم يكونوا بطبيعة الحال يعرفون شيئا عن بلاد العرب؟ أكانوا يتبعون مبدأ "بختك يا بو بخيت" ويتركون أنفسهم للظروف تسيّرهم كما تصنع الرياح بريشة من الريش؟ والله إن هذا أمر قد بلغ الغاية فى السخف والتفاهة؟ ثم ما الذى حببهم فى بلاد العرب وأبقاهم فيها بعد أن أخذوا خازوقا كبيرا حين لم يجدوا فيها ما يبحث عنه أمثالهم ممن يتركون بلادهم بحثا عن بلاد أرغد وأوسع رزقا؟
لقد كان أهل القوقاز يعيشون فى منطقة رعوية كما يقول (ص 126)، فكيف تركوها وانتقلوا إلى البادية القليلة الخضرة والأعشاب؟ وكيف مروا بكل تلك البلاد التى تفصلهم عن الجزيرة؟ أكانوا جيوشا اخترقت تلك البلاد؟ فأين ذلك فى كتابات مؤرخى تلك الدول؟ أم كانت مجرد هجرات صغيرة متتابعة؟ فلم اختارت الجزيرة بالذات دون بقية تلك البلاد؟ يقول إنهم آثروا حياة البداوة على حياة الاستقرار لأنهم آتون من مناطق رعوية (ص 52، وانظر أيضا ص 126). لكنه يقولها تخمينا ويعترف بأنه من الناحية التاريخية لا يوجد ما يكشف سر هذه الهجرة المفترضة. كذلك كيف عبرت هذ الهجرات كل تلك الدول دون أن توقفها السلطات هناك؟ ولماذا بعد أن رأت جفاف الجزيرة لم تفكر فى تركها والعدول عنها إلى بلاد أخرى خضراء؟ إننا لا نعرف أنه كانت هناك هجرات كبيرة ومنظمة للجزيرة العربية، إذ إن ظروف المناخ والأوضاع الاقتصادية فيها من العوامل الطاردة لا الجاذبة، أما بعد تغير الظروف الاقتصادية فى العقود الأخيرة جَرّاء اكتشاف البترول فقد كثرت الهجرة إلى دول الخليج لرفع مستوى المعيشة، وهو ما لم يحدث من قبل. ذلك أن الهجرات إنما تتم من المناطق الفقيرة إلى المناطق الميسورة لا العكس، اللهم إلا إذا كان هناك سبب قهرى يخص مجموعة صغيرة وجدت نفسها فى مأزق يستلزم أن تغادر ديارها تجنبا لمصيبة أكبر. وعلى كل حال فهو يقول بعد كل هذا إنه ليس هناك ما يمنع أن تكون بعض الهجرات القوقازية إلى الهلال الخصيب قد استمرت فى طريقها إلى جزيرة العرب (ص 55). أى أن المسألة مجرد احتمال. لكن هل من المعقول أن يترك هؤلاء الخصوبة فى بلاد الرافدين ويُؤْثِروا عليها جفاف الجزيرة وبداوة العيش وخشونته فيها؟ ومع هذا نراه يعود فيقول جازما إن العرب قد هاجروا من القوقاز إلى جزيرة العرب (ص60)، ناسيا أنه قد جعل الهجرة قبل قليل مجرد احتمال كما رأينا! كذلك ما السبب فى أن بلاد العرب لم تحمل اسم أى بلد أو مكان قوقازى كما هو المتوقع والمتبع فى هذه الحالة؟ ورغم قوله إن سكان شبه الجزيرة هم خليط من السكان الأصليين والقوقازيين الوافدين (ص 61)، فإنه يأبى إلا أن يعود فيجعلهم قوقازا أنقياء. ومن هذا كله نلمس بأيدينا لمسًا تهافت نظريته المسروقة من العلماء الأوربيين وسخف منطقه وتفاهة تفكيره ورداءة كيده!
والمفهوم أن كل مكان على وجه الأرض كان ولا يزال مسكونا من قِبَل شعبٍ ما، ومنه الجزيرة العربية. ومعنى هذا أن العرب كانوا هناك دائما، إلا إذا ثبت أن الشعب الذى كان هناك قبل القوقازيين (بفرض صحة تلك النظرية المتهافتة تماما) قد أُبِيد أو أُجْبِر على ترك البلاد وحلوا هم محله كما هو الحال مثلا مع الهنود الحمر وسكان أستراليا الأصليين والفلسطينيين فى العصر الحديث، فهل هناك دليل على هذا أو ذاك؟ وعلى أية حال فمن المعروف، كما سبق القول، أن الشعب يمكن أن يكون موجودا على الدوام لكن بأسماء مختلفة كما هو الحال فى أسماء بعض الدول الأوربية فى العصر الحديث حيث تغيرت التسميات مثلا بالنسبة لروسيا التى سميت لعشرات السنين بدءا بعام 1917م بــ"الاتحاد السوفييتى" ثم عادت إلى اسم "روسيا" مرة أخرى بعد تفكك الاتحاد المذكور، وبروسيا التى أصبحت ألمانيا، ويوغوسلافيا التى تمزقت قبل فترة صغيرة من الآن وتحولت إلى عدة دول: البحر الأسود والبوسنة والهرسك وصربيا... إلخ. والعجيب الغريب أنه يحدد تاريخ الهجرات القوقازية منذ 20000 سنة (ص 128)، فلماذا يتأخر بظهور العرب إذن دون سائر نتاج الهجرات القوقازية؟ وهو نفسه يقول إن الشعب يظل هو نفس الشعب مهما تغيرت لغته (ص 158)، ونحن نقول بدورنا إن الشعب يظل هو نفس الشعب مهما تغير اسمه أو خالطته بعض الدماء الأجنبية، أى أن العرب كانوا هناك فى شبه الجزيرة منذ قديم الزمان. وإذا كان قد توافد عليهم ناس من خارجها، وهو قليل، فذلك لا يغير من الأمر شيئا.
وهناك كاتب يهودى يحاول، على طريقة لويس عوض، أن ينكر قِدَم العرب فى التاريخ فيقول إن اسم "بلاد العرب" لا يرجع إلى أبعد من ألف سنة قبل الميلاد، بيد أنه سرعان ما يخونه لسانه فيضيف أنه إذا كنا لا نستطيع الحديث عن العرب فى العصور القديمة، فمن الممكن مع ذلك الحديثُ عن أسلافهم. وهذا ما نقصده بالضبط، إذ ليس المعوَّل على التسميات، بل على حقائق الأشياء، أما الأسماء فمعروف أنها تتغير من وقت إلى آخر. وقد ورد هذا الكلام فى مقال بعنوان: "Origin and Identity of the Arabs" يستطيع القارئ أن يجده فى موقع "www.imninalu.net". وهذا نص ما قال: "It seems that the name "Arabia" was applied to the whole peninsula only around the first century b.c.e., as defined by Diodorus of Sicily in his "Bibliotheca Historica" and by Strabo in his "Geography", yet it is rather a geographic definition, not closely related with the actual ethnicity of the inhabitants, whom they declare to be of several kinds and call them by their own tribal names. Arabs are the most recent of all Semitic peoples according to their appearance in history. In fact, it is not possible to speak about Arabs in ancient times, but only about their ancestors".
وعلى كل فالنظرية القوقازية الخاصة بأصل العرب مأخوذة من عالم أوربى هو آرثر كيت (مقدمة فى لغة العرب/ 128، وانظر ص 156 أيضا)، وليست من بُنَيّات عقل لويس عوض كما يزعم. كما أن قوله إن أبحاثه دلته على أن اللغات البشرية ترجع فى الأصل إلى 3 لغات فقط (ص 48) هو كلام مأخوذ من العلماء الأوربيين جاهزا دون أن يكون له فضل فيه (انظر ص 118). وبالمناسبة فكل كلام أولئك العلماء هو مجرد تخمينات ينقض بعضها بعضا كما يجد القارئ بنفسه فى الفصل الثالث من الكتاب الذى بين أيدينا بدءا من ص 116، وكما نرى أيضا فى الفصل السادس من المجلد الأول من كتاب الدكتور جواد على: "المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام"، وعنوانه: "صلات العرب بالساميين"، حيث لم يترك العلماء أى احتمال فى المكان الذى خرج منه الساميون وانتشروا فى منطقة الشرق الأوسط إلا وذكروه: كالجزيرة العربية نفسها، والحبشة، والصومال، والهند، وأوربا، وآسيا الصغرى، وبلاد الأفغان، وأرمينيا، والقوقاز، وبابل، ومنطقة جبال الأطلس فى شمال شرق إفريقيا. وهو ما يدل على ان الأمر كله ليس أكثر من تخمينات، إذ ما من نظرية من هذه النظريات إلا وتجد من يرد عليها ويفندها ولا يترك فيها شيئا قائما على قدم وساق، ومنها النظرية القوقازية. والدكتور لويس نفسه يقول إن بنفنيست (Benveniste) لا يربط بين اللغة والجنس، فبرغم سيادة اللغة القوقازية فى مناطق خارج القوقاز فإن الشعوب التى سادتها تلك اللغة كانت مختلفة الجنس عن القوقازيين (ص 130). وأخيرا نراه يقول إن عمله هو تحويل ما خمنه العلماء من قبل على أنه احتمال إلى نظرية مبنية على أسس متينة (ص 162). وهذا كله خبص ولبص لا طعم له وليس ثمة أساس ينهض عليه. إنه عبث يلبس لَبُوس العلم، لكنه ليس من العلم فى قليل أو كثير حسبما سيرى القارئ فيما هو آت من هذه الدراسة.
واللغة القوقازية أين هى من لسان يعرب وقحطان؟ هل هناك من وجوه شبه تسوّغ ولو بعض التسويغ هذه النظرية المتهالكة التى لا أدرى كيف طقَّت سرقتها من العلماء الغربيين فى رأس الدكتور لويس؟ هل درس المفردات والاشتقاقات ونُظُم التركيب والصور فوجد أنها متقاربة بين اللغتين؟ إن كل ما قاله بعبقريته التى لم يُرْزَقها بشر من قبل، ولا أظن بشرا من بعد يمكن أن يُرْزَقها، هو أنه لا يُوجَد منها فى العربية الحالية إلا الحاء فى مثل قولنا: "حايعمل، حايضرب"، وهى الحاء التى يقول إنها بديل من السين على اعتبار أن الحاء حامية، والسين سامية (ص 133)، فتأمل تلك العبقرية! مع أن الحاء هنا إنما هى فى الواقع اختصار لــ"راح يعمل، راح يضرب" (من "رايح يضرب/ رايح يعمل")، وإن كنا نستخدمهما كاملتين فى كثير من الأحيان دون اختصار كما فى قول صباح فى أغنية "زَنّوبَة": "وِانْ جانى الهوا يخطب وِدّى* راح اقول له: أنا مخطوبة"، وقول ماهر العطار فى أغنية "افرش منديلك": "ولسانه لو قال موّال* راح ادوب من رقته وحلاوته"، وقول عبد الحليم حافظ فى أغنية "مشغولْ وحْياتِكْ مشغول": "راح اقول له ع اللى انا فيه"، وقول محرم فؤاد فى أغنية "يا غزال اسكندرانى": "رايْحَ اعيش عطشانْ إلى يوم القيامة". أما فؤاد المهندس فقد غنى فى إحدى مسرحياته لطفلة صغيرة: "رايِحِ اجيب الدِّيبْ من دِيلُهْ* واقْلِقْ نومه ف عِزّ الليل* وان ما عِرِفْتِش اجيبُه حاسِيبُه* وارجع اقول: ما لقيتْ لُوشْ دِيل"، مستعملا الطريقتين كلتيهما: "رايح/ راح" كما هو واضح.
ثم إن "أستاذنا الدكتور لويس عوض" لم يستطع أن يدلنا على أى مثال آخر غير هذا المثال الذى لا علاقة به بالقوقازية ولا القوقازيين! ومعروف أن حرف السين أحد حروف الألفباء العربية، كما أن الألفاظ التى يوجد فيها حرف السين فى لغة الضاد أكثر من الهم على القلب، ولم نسمع يوما أنّ نطق هذا الحرف يشكل أية صعوبة بالنسبة لجهاز النطق العربى! ثم أين الدليل على أن قلب السين فى هذا التركيب هو ثمرة التأثر بلغة القوقازيين؟ وهذا لو صدقنا أصلا ما يقوله عن انقلاب السين هنا حاء، وهو ما فنّدناه وسخّفناه وتفّهناه آنفا! وهذا الاختصار يشبه قولنا: "أَيْوَهْ"، بدلا من "أىْ والله"، و"عَبْعَال"، بدلا من "عبد العال"، و"صَالْخِير" اختصارا لــ"مساء الخير"، و"يالَهْ" اختصارا لــ"يا ولد"، و"لِسَّه"، أى "للساعة (الحالية)"، وقول السودانيين فى نفس هذا المعنى: "حَسِّى"، أى "حتى الساعة"، وقول القطريين: "مُبْ طيّب" عوضا عن "ما هو بطيّب"... وهكذا.
أما ادعاؤه بأن كلمة "راح" فى قولنا: "راح يشرب، راح ياكل" تفيد الماضى لا المستقبل، وأن المقصود هو أنه شرب وأكل فى الماضى وانتهى الأمر، فكلام لا يصح. ذلك أن قولنا: "راح ياكل" يعنى أنه راح فعلا، لكن لا يعنى أنه أكل، فالماضى إنما يتعلق بالرواح لا بالأكل. ولقد قلت إن أصل الكلام هو "رايح يلعب/ رايح يشرب" (ومنه قول سكينة الخنّاقة السكندرية المشهورة أخت رَيّا عند إعدامها فى ديسمبر 1921م: "هو انا رايحة اهرب او امنع الشنق بيدي؟" كما ورد فى تحقيق جريدة "الأهرام" فى اليوم التالى)، حيث يُسْتَخْدَم اسم الفاعل من "راح" لا الفعل الماضى نفسه الذى يتخذه لويس عوض دون أى حقٍّ تكأة للمداورة والمحاورة. ثم إن اللغة لا تؤخذ بهذه النظرة الساذجة التى تبرهن على أن صاحبها ما زال خامًا غُفْلاً لم يُصْقَل بعد، وربما لن يُصْقَل أبدا، وإلا فهل يعنى قولنا: "أودّ لو قام فلان" أننى كنت أتمنى أن يكون قد قام فى الماضى، أو قولنا: "إن استذكر نجح" أنه لم يستذكر، ومن ثم لم ينجح؟ إن المعنى فى الجملتين على التوالى هو أننى أود أن يقوم الآن، وأنه حين يستذكر فسوف ينجح. وبالمثل يستعمل الإنجليز الزمن الماضى فى بعض التراكيب للدلالة على الاستقبال كما هو معروف. ثم إننا لن نكذب اللغة ومستعمليها ونكذب كذلك أنفسنا والناس من حولنا إكراما لخاطر لويس عوض، الذى ليس له أى خاطر عندنا، إذ إننا حين نقول: أنا راح اعمل كذا" إنما نقصد فعلا أننى سأفعل كذا لا أننى فعلته. وليس هناك من يجرؤ كما يجرؤ لويس عوض على القول بغير ذلك. وعلاوة على هذا فنحن فى هذا السياق إنما نستخدم صيغة "راح" لكل الحالات رغم أنها فى الأصل للغائب المذكر المفرد فحسب: "أنا راح العب/ انت راح تلعب/ انتى راح تلعبى/ هى راح تلعب/ احنا راح نلعب/ هُمّا راح يلعبوا". فليرنا لويس عوض شطارته ويفسر لنا كل هذه اللخبطة! إنها اللغة يا دكتور لويس، فدعك من سخافاتك وتخبطاتك وعنادك الأرعن الذى لن يوصلك أبدا إلى بر السلامة حتى لو مكثتَ تجدّف طول العمر! ومعنى ذلك أن اعتراض لويس عوض هو اعتراض يبعث على القهقهة! كذلك يقول لويس عوض، فى تفسير وجود كثير من الكلمات فى عدد كبير من اللغات المختلفة، إن كل تلك اللغات منشؤها واحد هو القوقاز، ثم تفرعت مجموعات اللغات السامية والحامية والطورانية وغيرها (ص 48 – 49). لكن لو كان كلامه صحيحا أفلم يكن الأحرى أن يظهر أثر القوقازية على العربية بدلا من اليونانية واللاتينية اللتين تعد كلتاهما فرع الفرع من الأصل القوقازى الأصيل؟
والغريب الشاذ أنه فى الوقت الذى يدعى أن أصل العرب يرجع إلى القوقاز وأن لغتهم فى أصلها البعيد هى القوقازية نراه يقول، بما لا يتلاءم مع هذا الزعم، بأن كثيرا جدا جدا من كلمات اللغة العربية مأخوذ من جذور مصرية قديمة (180 وما قبلها وما بعدها)، وإن كان قد حَنَّ عليها فذكر أنها أعارت المصرية القديمة ألفا ومائتين من الكلمات (ص 59). يا سلام على الإحصاءات التى لا تصلح إلا لبَلّها وشرب مائها على الريق! ترى كيف يمكن حساب مثل هذه الاستعارات بالضبط على هذا النحو؟ أوكان فى يد جنابه ساعة كرونومتر تَصْفِر كلما تم أخذٌ أو عطاءٌ بين اللغتين وتسجله فى ذاكرتها الألكترونية؟ ألا إن هذا لأمر مضحك حقا! وأيا ما يكن الأمر فعجيب أن يقول بقوقازية أصل العرب ثم يرجع كثير جدا جدا من ألفاظ لغة العرب إلى المصرية القديمة حتى فى أمور إنسانية عامة لا تختص بقوم دون قوم مثل "خبر" و"طيب" مما لا علاقة له مثلا باختراعات أو حيوانات لا توجد إلا فى بيئة بعينها. ثم لماذا ينبغى أن تكون العربية هى المستعيرة لا المعيرة؟
وعلى سبيل المثال نراه (ص 180) يقول إن كلمة "خِنْ: hn" المصرية القديمة هى أساس كلمة "حرن" العامية، مع أن كلمة "حرن" فصيحة قديمة جدا فى العربية. ثم إذا قرأنا بعد ذلك ما قاله عن "خن" فى ص 185 وجدناه شيئا مختلفا، إذ تعنى هذه المرة: "أمرا أو نطقا أو حكمة"، كما أنها أساس كلمة "سَنَّ" و"سُنّة" هنا لا أساس "حرن". فأعطونى عقلكم أيها القراء أتصبر به! ولسوف نرى بعد ذلك أمثلة أخرى على هذا التناقض والعبث الذى لا يليق بالعلم ولا بالعلماء! ومثله ظنه المضحك أن كلمة "عَيّل" عامية تحولت فيها العين عن الخاء فى "خِى" المصرية القديمة بمعنى "طفل/ رضيع" (ص 184) رغم أن الكلمة فصيحة كما يعرف الجميع، وأصلها الفعل: "عال يَعُول/ يَعِيل"، ومعناه كل فرد من أهل بيت الرجل الذين يكفلهم، وجمعه: "عِيَال"، وذلك كله دون أن يكون هناك أى منطق فى القول بهذا التحول الغريب، بالإضافة إلى أنه لا علاقة صوتية بين بقية كلتا الكلمتين ونظيرتها من الكلمة الأخرى كما هو واضح حتى لو سلمنا جدلا بتحول الخاء إلى عين، إذ يظل البون واسعًا شاسعًا بينهما. واقرأ ما قاله بعد ذلك وما بعد بعد ذلك وما بعد بعده فسوف يصيبك الدوار والغيظ من هذا التنطع والتشادق والتعسف! إن الرجل يفتى فى ماضى اللغات خبط عشواء ويرمى بما يخطر على باله دون أى أساس بالمرة. والله إن هذا لهو بعينه ما يطلقون عليه فى العامية المصرية: "سمك، لبن، تمر هندى".
وبمناسبة زعمه تحوُّل السين حاءً فى العامية المصرية ينبغى أن نسوق هنا زعمه الآخر عن صعوبة نطق الأوربيين لهذا الصوت، إذ يقول إن عجز الأوربى عن نطق الحاء دليل على أن تركيب جهازه الصوتى مختلف عن تركيب نظيره عند العربى (انظر كلامه فى هذه القضية بوجه عام بدءا ص 137 فصاعدا). وهو، كما ترى، كلام غير مقنع، فالعبرة بالتربية والممارسة المبكرة فى حياة الشخص. والدليل على هذا أن أولادنا حين يتربَّوْن فى وسط أوربى ولا يتعلمون فى صغرهم العربية فإنهم يشبون عاجزين عن نطق الحاء والعين والغين مثلا، كما أن الأوربى لو تربى فى وسط عربى منذ ولادته لنطق هذه الأصوات بسهولة. أما كلامه عن عجز الإسبان أو بعضهم عن نطق الفاء مثلا فيُرَدّ عليه بأن الإسبان كلهم تقريبا كانوا ينطقون العربية بما فيها الفاء وغيرها من الأصوات التى لا يستطيعون الآن نطقها، ولا أظن جهازهم الصوتى قد تغير تشريحيا بعد ذلك. وقد أراد الدكتور لويس فى هذا الصدد الاتكاء على كلام أحد علماء اللغة الغربيين، متجاهلا أن ذلك العالم لم يزد على أن يقول: "ويبدو" دون أن يؤكد ما يقول، فضلا عن أن يقطع به (ص 136). فكلمة "يبدو"، كما هو معروف، لا تفيد قطعا ولا علما، ولا تزيد عن أن تكون مجرد تخمين.
ويرتبط بهذا ما قاله (ص 135) من أن الشين صوت مركب من السين والهاء إذا نُطِقا دفعة واحدة. وهو كلام يبعث على القهقهة، إذ كيف بالله يمكن أن ننطق بالصوتين معا؟ أم تراه يقصد أن شخصا ينطق بالسين، وشخصا آخر ينطق فى ذات الوقت بالهاء ثم نقوم بمونتاجٍ للجمع بينهما فينتج عن ذلك صوت "الشين"؟ ألا يوافقنى القارئ العزيز على أن هذا هو ما يسمونه: "كلام وطحينة"؟ إن الدكتور لويس يخلط بين الكتابة والنطق، وما دام الإملاء الإنجليزى إذا أراد أن يكتب ما يدل على صوت "الشين" (الذى لا وجود له فى الأبجدية الإنجليزية كما هو معروف) كتب حرفى الــ"s" والــ"h" متتابعين بنفس هذا الترتيب، فإن الدكتور لويس يظن أن ذلك نفسه هو ما يحدث فى النطق، خالطا بذلك بين الرمز الكتابى والنطق الفعلى. وهذا أمر لا يمكن تصوره إلا إذا تجرد الإنسان من عقله. ثم لقد فاته أن حرف الــ"h" ليس "هاء"، وإنْ نطقه الإنجليز أحيانا "هاء"، وهو ما لا يُعَدّ دليلا، وإلا فإنهم كثيرا ما يتجاهلون نطقه كأنه لا وجود له. أما أن الفرنسية تضع مكان الــ"s" حرف الــ"c"، فينبغى ألا ننسى أن "السِّى" هذه إنما تنطق "كافا" فى العادة لا "سينا" كما يحاول أن يوهمنا عبثا. وقس على ذلك كلامه أيضا عن تكوين كل من صوت الثاء وصوت الذال عند الإنجليز من اجتماع حَرْفَىِ الــ"t" والــ"h" بهذا الترتيب (ص 230).
والآن نعود لما كنا فيه فنقول: ترى كيف، حين فتح المسلمون بلاد القوقاز، لم يحدث أن أثار أحد الطرفين الأصل المشترك القديم؟ ألم تكن هذه فرصة لاستعادة الذكريات كما هو الحال فى تذكر قسم كبير من العرب أن أباهم هو إبراهيم وأن أمهم هى هاجر؟ بل إن الشعوبيين واليهود والنصارى يعيّرون العرب بأن هاجر أمهم أَمَةٌ على عكس أمهم هم سارة الحُرّة. فكيف يعيرونهم بذلك، بل كيف يقبل العرب هذا التعيير رغم أنهم لا علاقة لهم بهاجر بناءً على فتوى لويس عوض؟ كيف لم ينهض منهم أحد يستعيد ماضيهم القوقازى قائلا: لا علاقة لنا بهاجر الأَمَة، بل نحن أحرارٌ أولادُ حُرّاتٍ؟
وقد ذكر جواد على فى "المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام" أن اسم العرب قد ورد فى الكتابات الأكادية قبل الميلاد بأكثر من ألفين من السنين، مؤكدا أنه على الرغم من صعوبة التعرض في الوقت الحاضر للصلات التي كانت بين العرب الشماليين وحكومات الهلال الخصيب في أقدم العهود التاريخية المعروفة لما بيننا وبينها من حجب كثيفة ثخينة لم تتمكن الأبصار من النفاذ منها لاستخراج ما وراءها من أخبار عن صلات العرب في تلك العهود بالهلال الخصيب، فإن ثمة خبرا عن نرام - سين (Naram-sin) الملك الأكادي (2270-2223 قبل الميلاد) واستيلائه على الأرضين المتصلة بأرض بابل والتي كان سكانها من العرب (Aribu, Arabu). وهذا الخبر، كما يقول، ينبئ بأن العرب المعاصرين لنرام- سن كانوا في تلك المناطق قبل أيامه بالطبع، وكانت لهم "مشيخات" و"إمارات" مثل إمارة الحيرة الشهيرة التي ظهرت بعد الميلاد.
كذلك ورد اسم العرب أيضا فى الكتابات الآشورية، ومنها نص يرجع إلى نحو ألف عام قبل الميلاد في كتابات الملك شلمنصر الثالث ملك آشور، الذى سجل نصرا حربيا أحرزه في السنة السادسة من حكمه على حلف ألّفه ضده ملك دمشق وعدد من الملوك الإرميين الذين كانوا يحكمون المدن السورية وملك إسرائيل ورئيس قبيلة عربي اسمه جندب، وكان ذلك سنة 853 أو 854 قبل الميلاد. وقد قصد شلمنصر بلفظ "عرب": الأعراب، أي البدو حسبما يقول الدكتور جواد على. وإذا كان العالم العراقى، فى الفصل الخامس المسمَّى: "طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها"، قد علق على هذا النص قائلا: "وليست لدينا مع الأسف نصوص كتابية قديمة أقدم من النصوص الآشورية التي كانت أول نصوص أشارت إلى العرب في هذه المنطقة، وذكرت أنه كانت لديهم حكومات يحكمها ملوك. وأقدم هذه النصوص هو النص الذي يعود تاريخه إلى سنة 854 ق. م. وقد ورد فيه اسم العرب في جملة من كان يعارض السياسة الآشورية"، فلا ينبغى أن ننسى قوله فى موضع آخر إن هناك نصا أكاديا سابقا على ذلك بنحو ألف وخمسمائة من السنين جاء فيه ذكر العرب، كما لا ينبغى أيضا أن يفوتنا قوله إنه "لما كان هذا النص يشير إلى وجود مشيخة أو مملكة عربية سكنها ملك فلا يعقل أن يكون العرب قد نزلوا في هذا العهد في هذه البادية، بل تشير كل الدلائل إلى أن وجودهم فيها كان قبل هذا العهد بأمد، وربما كان قبل الألف الثاني قبل الميلاد. ولهذا كانت هذه القبائل تهاجم أرض ما بين النهرين وبلاد الشام، وتكون مصدر رعب للحكومات المسيطرة على الهلال الخصيب، وكانت تنتقل في هذه البادية الواسعة لا تعترف بفواصل ولا بحدود، فتقيم حيث الكلأ والماء والمحلّ الذي يلائم طبعها"، وهو ما كرره فى الفصل الثالث عشر من ذات الكتاب، وعنوانه "تاريخ الجزيرة القديم"، حيث قال: "ومن الخطأ بالطبع أن نتصور أن وجود العرب في بادية الشام وشاطئ الفرات وأطراف دمشق يرتقي إلى أيام الآشوريين أو قبل ذلك بقليل، فوجود العرب في هذه الأرضين هو أقدم من هذا العهد بكثير. و إذا كنا قد أشرنا إلى وجودهم في المواضع المذكورة في هذا العهد، فلأن الكتابات الآشورية هي أقدم كتابة وصلت إلينا ووردت فيها إشارة إلى العرب، وإلا فإن العرب هم في هذه الأرضين قبل هذا العهد بكثير. في عهد لا نستطيع بالطبع تعيين ابتدائه، لأن هذه الأرضين هي امتداد لأرض جزيرة العرب، والتنقل بينها وبين جزيرة العرب هو تنقل حرّ ليس له حاجز ولا حدود، فلا نستطيع إذن أن نقول متى سكن العرب بادية الشام".
هذا عن العرب البادِين، أما الحَضَر منهم فقد كانوا يُدْعَوْن، كما قال، بأسماء الأماكن التى يقيمون فيها أو التسميات التي اشتهروا بها، وذلك لأن لفظ "العرب" لم يكن قد صار علما على ذلك الجنس المكون من البدو ومن الحَضَر بالمعنى الذى نعرفه الآن. ولم يكن هذا اللون من التسمية مقتصرا على الآشوريين، بل كان عاما حتى بين العرب أنفسهم. وقد أدى ذلك إلى جهلنا بهويّات شعوبٍ ذُكِرَتْ في النصوص الآشورية وغيرها وكذلك فى العهد القديم دون أن يشار إلى جنسيتها، فلم نستطع أن نضيفها إلى العرب للسبب المذكور. وبالمناسبة فهذا النص الآشورى هو النص الذى أشار إليه الدكتور لويس عوض وأهمل ما سبقه فى الكتابات الأكادية قبل ذلك بألف وخمسمائة عام تقريبا طبقًا لما ذكره الدكتور جواد على حسبما أشرنا آنفا.
وفى مادة "Arabs" فى موسوعة "LoveToKnow1911"، القائمة على طبعة "الموسوعة البريطانية" لعام 1911م بعد تطويرها وتحديثها، تلك الطبعة التى تعد فى نظر المعنيين بهذه الموسوعة أفضل طبعاتها، نقرأ ما يلى:


"The origin of the Arab race can only be a matter of conjecture. From the remotest historic times it has been divided into two branches, which from their geographical position it is simplest to call the North Arabians and the South Arabians. Arabic and Jewish tradition trace the descent of the latter from Joktan (Arabic Kahtan) son of Heber, of the former from Ishmael. The South Arabians- the older branch- were settled in the south-western part of the peninsula centuries before the uprise of the Ishmaelites. These latter include not only Ishmael's direct descendants through the twelve princes (Gen. xxv. 16), but the Edomites, Moabites, Ammonites , Midianites and other tribes. This ancient and undoubted division of the Arab race- roughly represented to-day by the universally adopted classification into Arabs proper and Bedouin Arabs (see Bedouins) - has caused much dispute among ethnologists. All authorities agree in declaring the race to be Semitic in the broadest ethnological signification of that term, but some thought they saw in this division of the race an indication of a dual origin. They asserted that the purer branch of the Arab family was represented by the sedentary Arabs who were of Hamitic (Biblical Cushite), i.e. African ancestry, and that the nomad Arabs were Arabs only by adoption, and were nearer akin to the true Semite as sons of Ishmael. Many arguments were adduced in support of this theory. (I) The unquestioned division in remote historic times of the Arab race, and the immemorial hostility between the two branches. (2) The concurrence of pre-Islamitic literature and records in representing the first settlement of the "pure" Arab as made in the extreme south-western part of the peninsula, near Aden. (3) The use of Himyar, "dusky" or "red" (suggesting African affinities), as the name sometimes for the ruling class, sometimes for the entire people. (4) The African affinities of the Himyaritic language. (5) The resemblance of the grammar of the Arabic now spoken by the "pure" Arabs, where it differs from that of the North, to the Abyssinian grammar. (6) The marked resemblance of the pre-Islamitic institutions of Yemen and its allied provinces - its monarchies, courts, armies and serfs - to the historical Africo-Egyptian type and even to modern Abyssinia. (7) The physique of the "pure" Arab, the shape and size of the head, the slenderness of the lower limbs, all suggesting an African rather than an Asiatic origin. (8) The habits of the people, viz. their sedentary rather than nomad occupations, their fondness for village life, for dancing, music and society, their cultivation of the soil, having more in common with African life than with that of the western Asiatic continent. (9) The extreme facility of marriage which exists in all classes of the southern Arabs with the African races, the fecundity of such unions and the slightness or even total absence of any caste feeling between the dusky "pure" Arab and the still darker African, pointing to a community of origin. And further arguments were found in the characteristics of the Bedouins, their pastoral and nomad tendencies; the peculiarities of their idiom allied to the Hebrew; their strong clan feeling, their continued resistance to anything like regal power or centralized organization. Such, briefly, were the more important arguments; but latterly ethnologists are inclined to agree that there is little really to be said for the African ancestry theory and that the Arab race had its beginning in the deserts of south Arabia, that in short the true Arabs are aborigines."


وهو ما يدل على أن الأمر ليس بالبساطة التى يتوهمها، أو بالحرى: يريد أن يوهمناها الدكتور لويس، إذ هأنتذا أيها القارئ الكريم ترى بنفسك كيف أن النظريات الخاصة بنشأة الأمة العربية عند العلماء الغربيين متعددة، وليس هناك كلام حاسم لديهم فى ذلك الموضوع، وأن ما يقولونه اليوم ينقضونه غدا، وإن كان هذا غير مقصور على أصل العرب، بل هو عام يشمل كل الأمم القديمة تقريبا، وأن أسخف ما قيل فى هذا الصدد هو النظرية التافهة التى لطشها لويس عوض من أولئك العلماء ثم راح ينتفش وهو يعرضها علينا كأنه ابن بَجْدَتها دون أى شعور بالخجل من هذا التنفج الكاذب!
وأخطر من ذلك كله أنه، عند تحول الكلمة من لغة إلى لغة وتحول بعض أصواتها أو كلها خلال ذلك، لا توجد عند لويس عوض قاعدة ثابتة تحكم ذلك التحول النطقى: فالتاء تتحول إلى ثاء وإلى دال وإلى ذال وإلى صاد وإلى ضاد وإلى طاء وإلى ظاء، والخاء تتحول إلى جيم قاهرية وإلى جيم معطشة وإلى حاء وإلى دال وإلى شين وإلى تشين وإلى صاد وإلى ضاد وإلى طاء، وكل من الكاف والقاف والجيم بنوعيها والخاء يمكن أن تتحول إلى تاء وإلى دال وإلى ضاد وإلى ذال وإلى زاى وإلى سين، والسين تتحول إلى حاء وإلى صاد وإلى زين، والجيم إلى حاء وإلى غين وإلى كاف وإلى قاف... وهكذا مع كل الحروف، والعكس فى كل ذلك صحيح (انظر الفصول الخاصة بتبادل الأصوات بدءا من الفصل الخامس ص 165)، وذلك فضلا عن "الميتاتيز"، الذى يسمى فى الصرف العربى: "القلب المكانى"، أى التقديم والتأخير فى حروف اللفظ كــ"جَبَذَ" فى "جَذَبَ" مثلا، ذلك "الميتاتيز" الذى يلجأ إليه لويس عوض مثلما يلجأ الحاوى إلى قبعته أو ردنه عندما يريد إيهام المشاهدين بأنه يأتى بالكتاكيت من الهواء.
ومعنى ذلك أن كل كلمة يمكن أن تصبح أية كلمة، والبهلوانية جاهزة لتمرير الجمل من سم الخياط وصَرّ الفيل فى المنديل وتعبئة الشمس فى زجاجات ودهن الهواء دوكو باللون الذى يحب كل إنسان. وفوق هذا فإن الصلة بين كثير من اللغات التى يقول لويس عوض بالاتصال بينها معدومة، والكلام فيها أشبه بالكلام فى الغيبيات التى يتشدق هو وأمثاله بالهجوم عليها فى موضعها، على حين يلجأون إليها فى غير موضعها. والحق أن لويس عوض، فى ألاعيبه التى يمارسها فى هذا الكتاب، لا يفترق عن أى فلاح منجعص فوق مصطبة من مصاطب القرية وفى يده جريدة قد أمسكها بالمقلوب فظن من ثم أن الموتوسيكل الذى يركبه صاحبه قد انقلب به وأصبح الرجل تحت، والموتوسيكل فوقه، وهات يا فتاوى فى كل أمور الحياة من سياسة واقتصاد ومسائل زراعية ومشاكل اجتماعية وحروب وكرة قدم وقرآن وحديث وفقه وزواج وطلاق وقُعُور مجالس وصفقات مواشٍ وبيع محاصيل وقياس أراضٍ ووصفات شعبية للربو والدودة المعوية وفيروس سى والإيدز الذى حير البرية وجاء بداغ الأطباء كلهم بربطة المعلم الأرض دون جدوى... باختصار: بتاع كلّه!
وهل بمستطاع أى إنسان كائنا من كان أن يسد حنك مثل ذلك الـمُفْتِى المنجعص، وبخاصة إذا كان عبقريًّا عبقريةَ "أستاذنا الدكتور لويس عوض" حسب قول بعضهم؟ إن الرجل قد بسط أمامه خريطة اللغات الإنسانية على مدار التاريخ كله تقريبا وشرع فى تتبع مسار كل كلمة من لغة إلى أخرى إلى ثالثة إلى رابعة... وعرف ما حدث لها على وجه الدقة واليقين قبل أن يحط بها أخيرا فوق مَدْرَج اللغة العربية بمطار الدراسات اللغوية بسلامة الله، مما جعل الركاب يصفقون له على عادة المصريين كلما نزلت بهم الطائرة سالمة فى القاهرة. وهو، بسلامته، يفعل كل هذا فى بساطة ويسر وثقة وكأنه يعلق على مباراة فى كرة القدم تقع تحت بصره فى التو واللحظة، وليس على أمور تمت قبل الأحقاب المتطاولة، وكان مسرح وقوعها الكرة الأرضية جمعاء، واشتركت فى توجيهها عوامل تجلّ عن الحصر من سياسية واجتماعية وتاريخية واقتصادية وعسكرية وبيولوجية، غير السهو والكسل والخطإ والالتباس... إلى آخر ما يعتور الألفاظ فى رحلتها الطويلة منذ أن توجد إلى أن تفنى، أو على أقل تقدير: إلى أن تتوارى ولو مؤقتا فى بطون المعاجم!
ثم إنه هو نفسه، وبعظمة لسانه إن كان للألسن عظام، قد قال إن البحث فى مثل هذه القضايا يحتاج إلى الاستعانة بعدة علوم هى علم اللغة، وسوف نرى مستواه المخزى فيه، ثم علم الأنثروبوليوجيا الطبيعية (علم الأجناس)، ثم الأنثروبولوجيا الاجتماعية المقارنة، ثم الأثنولوجيا المقارنة، ثم الفونوطيقا المقارنة، ثم الأديان المقارنة، ثم الأساطير المقارنة، ثم الآثار بفروعها المختلفة، ثم تاريخ الفنون والآداب، ثم هو بعد ذلك كله يبرز مدى الصعوبة التى تكتنف هذه الدراسة من كل الجوانب (ص 131- 132)، ورغم ذلك كله نراه لا يبالى بعشر معشار ما قاله، فهو ينجعص كما قلت على مصطبة الفكر وهات يا فتاوى فى مسير ومصير اللغات المختلفة وكأنه ساحر من سحرة القرون الخوالى ينظر فى البلورة المسحورة ويرى من خلالها وفيها كل شىء!
إن عبقرينا يتعامل مع هذه القضية كأنها لا تحتاج إلى أكثر من فرقعة بإصبع من أصابعه، فإذا كل شىء على ما يرام، وإذا كل شىء كما يقول. وهو، كما ترى، غرور ما بعده غرور، وبخاصة إذا علمتَ أنه لم يكن يعرف من كل تلك اللغات التى لا حصر لها إلا الإنجليزية والفرنسية، وكذلك إذا علمت أنه فى كلامه السخيف ذاك إنما كان ينقل فى معظم الأحيان عن بعض العلماء الغربيين الذين أحضر كتبهم ووضعها أمامه وأخذ يفتى بسرعة الصاروخ. ولم لا؟ أليس هو أبو سريع اللميع؟ أليس هو أبو زيد السالك الذى سكته كلها مسالك؟ وهل سمعتم أن أبو سريع اللميع قد خَفِىَ عليه شىء أو استعصى على قدرته شىء؟ خَسِئَ من يقول: نعم! على أن هذا لم يكن يملأ عين أبو زيد زمانه، بل رأسه وألف برطوشة قديمة أن يصدع رؤوسنا بكم مصطلح أوربى لزوم إبهار الدراويش الجاهزين للوقوع فى دباديب أية كلمة أو فكرة تافهة ينطق بها، وكأنه كاهن بين قوم وثنيين، فهم ينظرون إلى كل ما يتلفظ به وكأنه وحى لا يخرّ منه الماء! ولهذا فهو يكثر من "الميتاتيز، والهومونيم، والأوتوموبيا، والتوتولوجى، والمورفولوجى، والإيتمولوجى، والفونوطيقا، والجرمانية العالية، والإنجلوسكسونية (أو السكسوكية: لا أدرى بالضبط، لأن أحاديثه كثيرة على الفاضى، فهى لا تبقى فى الذهن)"، وكله كلام فى الهجايص على ما سوف نتبين معا بعد قليل، فاصبر ولا تستعجل على رزقك أيها القارئ العزيز، فكله بأوانه، ولن تندم بمشيئة الله على صبرك هذه المرة، فما فى كل مرة يحرق الصبر الدكّان!
ومن الوسائل التى يلجأ إليها لويس عوض أيضا لإرباك عقل القارئ كثرةُ التفصيلات وتتابعُها (دون مراجع فى العادة) كى يصاب القارئ بالرعب والدوار فيتصور أنه أمام عالمٍ نحريرٍ ولا يجرؤ من ثم أن يطالب الكاتب بالدليل. إنه لا يقدم فى العادة مراجع ولا مصادر بل يكثر من الـ"ربمات" والــ"قد يكونات" والــ"ليس ما يمنعات" ثم يسهّينا فيحول الافتراضات التعسفية غير المدعومة بدليل أو منطق أو منهج إلى حقائق يبنى عليها نتائج فى منتهى الخطورة. ذلك أنه لا يقيم أيا من أفكاره على أسس منهجية، إذ إن الافتراضات العلمية إنما تكون حيث يتطلبها كثير من الوقائع مما يجعل الفرضية تفرض نفسها فرضا لا لمجرد أنها طقَّت فى مخّ الباحث دون مؤشرات. ثم إنه عادةً ما يقطع بالنتائج رغم أنه لا يقدم دليلا على صحة ما يقول، أو على الأقل: على معقوليته. كما أنه ينتقى ما يظن أنه موصّله إلى ما يريد تقريره من نتائج، مع إهمال ما يرى أنه لا يوصله إلى تلك الغاية. فعلى سبيل المثال نراه فى باب الأعداد يحاول أن يقنعنا بأن " رقم اثنين" عندنا هو نفسه "تُو" و"دُو" و"تِسْفَاىْ"... الإنجليزية والفرنسية والألمانية على التوالى عن طريق كلمات "صِنْو وسَواء وسِيّان وسوا"، مع أن "الصنو" هو "الشبيه"، و"السواء" هو "المتماثل"، و"سوا" (بالعامية المصرية) تعنى: "معا"، ولا علاقة لشىء من هذا بالأرقام. ولنلاحظ أنه لم يقل: "الزوج" ولا "المكرر" ولا "الـمُعَاد" ولا "الشبيه" ولا "المطابق" ولا "الموازى" ولا "الـمُنَاظِر" وما أشبه، بل اختار ما يظن أنه ينفعه فى ترويج بهلوانيته. وهو ما سوف يتضح أثناء مناقشتنا للكتاب تفصيلا وتمثيلا فيما يلى من صفحات الدراسة.
ونبدأ بإعطاء القارئ مثالين مما كتبه الدكتور لويس فى كتابه: فأما المثال الأول فهو ما كتبه عن كلمة "بنان" (ص 417- 418)، التى يظن بعبقريته الفذة أن معناها "إصبع" ضربة لازب، مع أنها تعنى "الإصبع" أو "طرف الإصبع"، ومعنى ذلك أن كل ما قاله فى هذا الشأن خطأ فى خطإ لأن ما بُنِىَ على باطل فهو باطل. لكن أبو السريع اللميع ليس عنده وقت لمراعاة مثل هذه الأشياء البسيطة، فينبغى إذن ألا تحبّكها أيها القارئ العزيز أكثر من اللازم، ولا تَكُ حنبليا إرهابيا رجعيا ظلاميا تقف فى وجه المراكب السائرة الأمريكية التى تريد أن تدهس الشرق الأوسط كله وتدمره وتشكله من جديد على هواها وهوى ربيبتها وحبيبة قلبها الجالسة على حجرها إسرائيل! فما الذى خَرَّه علينا عبقرينا فى "بنان"؟
قال: "فى الإنجليزية والإنجليزية الوسيطة والأنجلوسكسونية كلمة "فنجر: Finger" تعنى "أصبع"، وهى فى السكسونية وفى الجرمانية العالية القديمة "فنجار: Fingar"، وفى النوردية القديمة "فنجر: Fingr"، وهى فى الهولندية "فنجر: Vingr"، وفى الدنماركية والسويدية والألمانية "فنجر: Finger"، وفى القوطية "فيجرس: Figgrs" (من "فنجرس: Fingrs"). وفى "سكيت" أن أصلها التيوتونى الافتراضى هو "فنجروز: Fingroz"، ونموذجها الهندى الأوربى "بنكروس: Penkros"، (تعليق من إبراهيم عوض: الكلام إلى هنا معقول، فاللغات الأوربية متقاربة تقاربا كبيرا فى كثير من الحالات لاستمدادها من نفس المصدر أو لاستعارة بعضها من بعض. ولكن هذا الكلام المعقول ليس للويس عوض، بل نقله نقلا من بعض الباحثين الأوربيين. ولكن انظر كلامه هو من هنا إلى آخر النص، ولسوف تجد البكش كله على أصوله! يقول:) وهذه يمكن أن تؤدى فونطيقيا إلى "بنسروز: Pensros" التى تصلح أساسا لكلمة "بنصر". وفى "وبستر" اشتباه بأن "Fingr" قد تكون لها علاقة بكلمة "Five" بمعنى "خمسة" باعتبار أن أصابع اليد خمسة. فإذا كان هذا صحيحا عدنا إلى جذر "بنديس: Pend-is" اليونانى بمعنى "خمسة" (قارن "فونف: Fünf" الألمانية) وإلى جذر "كوينكوى: Quinque" اللاتينية بمعنى "خمسة" (فونطيقيا: p = f، وf= q). وهذا يفسر ظهور "بنصر" من "Penzer" افتراضية، و"خنصر" من "Quenzer" (أصلا "بنجر" و"كنجر" بقيمة "ج: dj" وسطى). وبهذا تكون "بنصر" هى "خنصر"، ومعناها إما ببساطة "أصبع" (=Fingr) أو "أحد" الخمسة أو "الخامس" بمعنى "الأصبع" الخامس. ومع ذلك فالخامس فى العربية هو "الخنصر"، أما "البنصر" فهو الرابع، فالتوزيع غير مفهوم. وحتى لو افترضنا أن "خنخ" خنصر (أصلا "ك") جاءت من "Quatrus" بمعنى "أربعة" فى اللاتينية ("تترا" باليونانية) لما طابق هذا الواقع لأن "الخنصر" هو الخامس لا الرابع، وكان ينبغى أن توجد صيغة "تِنْصَر" أو "تِتْصَر" لتدل على الأصبع الرابع. و"بنان" يحتمل أن تكون من نفس جذر "Fingr" (Pendroz>)، ولأنه ليس لها جمع فهى لا تدل على "أصبع" بالمعنى العام، وإنما تدل على أحد الأصابع، وهو السبابة. ومن "بنان" نعرف أن صيغة "بنجن:Pengen " وجدت قبل "Fingr"، ولسقوط "g" خرجت "Penen" بالمد لتحل محل الصوت الساقط. ومع ذلك فيحسن البحث عن جذر آخر أو هومونيم آخر لأن "أنامل" بمعنى "أصابع" (دائما فى حالة الجمع، ونادرا ما نراه مفردا، أى "أنملة") تتواتر سواكنها الأساسية مع كلمة "بنان". ونخرج من هذا المأزق بأن نفترض أن "خنصر" و"بنصر" تعنى باختصار "أحد الخمسة" وأن توزيعها تم بناء على اعتبارات تحتاج إلى مزيد من البحث. ويبدو أن "أصبع" و"سبابة" من جذر واحد. يوحى بذلك كلمة "صباع"، وهى فونطيقيا قريبة من "سبابة"، ولكنى لم أهتد إلى جذر هذه المادة من مجموعة أتيمولوجية أخرى".
أما المثال الثانى فلن يكون طويلا على هذا النحو، بل سأقلل النقل تقليلا. قال فى الكلام عن أصل اشتقاق كلمتى "نِمْر" و"نِمْس": "أما "نمر" و"نمس" فوحدة جذورهما واضحة، وهو جذر "مينك: Mink" الإنجليزية ("Mynk" فى الإنجليزية الوسيطة). والجذر الافتراضى فى تقديرى هو "مينس: Myns ,Mins" ("نمس" بالميتاتيز)، ويمكن أن نخرج منها "منر: Minr" و"Mynr" ("نمر" بالميتاتيز)، وكذلك حيوان "الليمور"، وهو نوع من "النمس"، و"ليمور" صورة من "نمر". أما "تيجر" فجذرها فى تقديرى هو غالبا جذر "ضرغام" و"ضيغم". أى أن جذرها هو "تيرج- طيرج- ديرج- ضيرج" (ص 450). أرأيت أيها القارئ عبقرية متعبقرة كهذ العبقرية؟ الرجل يجلس إلى مكتبه ويبدأ الفشر فيتناول خط سير كلمات كل هذا العدد الكبير من اللغات على مدار الدهور المتطاولة، وينتهى من ذلك فى لحظات. إنها العبقرية المتعبقرة التى تنجز فى غمضة عين ما لا ينجزه الباحثون الجادون المحترمون من العلماء غير العباقرة فى قرون. وهل أصابعك بعضها مثل بعض؟ بالطبع لا، فكذلك ليس كل الباحثين مثل الدكتور لويس. ونحن بهذ الطريقة يمكننا أن نقول إن كلمات "ليمون" و"أَمّور" و"نور" و"تنّور" و"تنّورة" و"بندورة" و"بيرون" مأخوذة كلها من نفس الجذر، إذ كانت تطلق فى مبتدإ الحال على بعض الحيوانات الوحشية، ثم تطورت دلالتها وأضحت تعنى ما تعنيه اليوم. ستقول لى: كيف؟ ومتى؟ وأين الدليل؟ أقول لك: ولماذا لا تسأل عبقرينا هذه الأسئلة ذاتها؟ إن استطاع أن يجيب فتعال وأنا أجيبك ساعتها، وإلا فاقبل كلامى، وهو ما لا أنصحك به لأنى أعترف وأقرّ أمامك بأنه كله كلام فارغ اخترعته عفو اللحظة، أو فانبذ هذا السخف اللويسعوضى، وهو ما أنصحك به أشد النصح حتى لا تضيع فى أبو نكلة!
والحق أننى، حين أقرأ هذا الكلام، أشعر وكأننى أستمع لشخص فى يده كأس عرقى وهو يشرب منها حتى ثمل لسانه وثقلت يده ونمل مخه، فكل فكرة يفكرها لا تذهب فى الاتجاه الصحيح أبدا، وكل كلمة ينطقها لا يستطيع لسانه أن ينطقها على النحو الصحيح أبدا، وكل إشارة يأتيها بيده لتوضيح ما يريد أن يقوله لا يعرف كيف يؤديها على النحو الصحيح أبدا. إن الرجل يقيم من نفسه بعد فوات الأوان بأدهار وأدهار قَيِّمًا على اللغات البشرية كلها تقريبا فيقول إن هذا قد حدث على النحو الفلانى، وذاك على النحو العلانى، وذلك على النحو الترتانى، وإن هذا كان ينبغى أن يكون كذا، وذاك كان يجب أن يكون مَذَا ("مذا" هذه هى الإتباع الخاص بــ"كذا" كما كنا نسمعها من أستاذ الكيميا فى السنة الأولى الثانوية بمدرسة الأحمدية بطنطا الأستاذ سيد عمارة، إذ كان يقول دائما: "كذا ومذا"). بل إنه ليبلغ به البكش غاية المدى حين يضع جدولا يؤرخ به للُّغة العربية ويجعلها طبقات بعضها فوق بعض، وكأنه يفحص طبقات قطعة من الأرض قد حفرها الحفارون وبانت أحشاؤها لعينيه، فتراه يتحدث عن هذه الطبقات وطبيعة كل منها بأسلوب الواثق الموقن (ص 70)!
وتسأل: وكيف عرف بسلامته كل هذا وهو قاعد منجعص فوق المصطبة؟ والجواب هو أنك للأسف لم تتنبه إلى ما كان يصنعه وقد قَلَب كفه وهات يا شّمّ على ظهر يده حتى تهرأ ظهر يده من هذا الشم، وتهرأت أمخاخنا معه أيضا من كثرة الزَّنّ. حضرته يظن أن بمستطاعه إعادة صياغة اللغة واختراع تاريخها حسب عقله الطرير وعلمه الغرير، وهو جالس متسلطنا، وكأس العرقى الرخيص فى يده، وقد سرى التنميل فى كل "كيانه"، لا فى "لسانه" فحسب كما حدث للشاعر على محمود طه فى "جندوله" حيث يقول: "قلتُ والنشوة تسرى فى لسانى:...". قَطْع لسان كل من يريد بلُغَة القرآن شَرًّا! وطبعا لا يمكن من الناحية المادية أن تكذّبه لأن ما مضى قد مضى ولا سبيل لاستعادته ولا استنطاقه بتصديق أو بتكذيب، ومن ثم جاز لمثله أن يتقول ويتوهم ويزعم المزاعم فى غاية الاطمئنان.
إن معنى ما يفعله لويس عوض هو أنه قادر على معرفة الطريق الذى سلكته كل كلمة بظهر الغيب على مدى مئات الآلاف من السنين بتقديره هو (ص 300). ولكن هل يعرف ذلك إلا الله؟ كما يتجاهل أيضا أن الكلمات بعد كل هاتيك الأحقاب قد دخل عليها من ألوان التحوير والتطوير عن طريق الوهم والخطإ والتغيير العَمْدِىّ والتضييق والتخصيص والتوسع فى الاستعمال والنحت والاشتقاق وتحويل اسم العلم إلى اسم جنس أو العكس أو استخراج أفعال وصفات منه واتخاذ مسارب جديدة لا علاقة لها بأصلها ما يجعل تتبع تاريخها من المستحيلات، اللهم إلا إذا كان الشخص من المنجِّمين أو قارئى الفنجان كــ"أستاذنا الدكتور"، والعياذ بالله، لأن دين النبى العربى الكريم يحرّم ويجرّم قراءة الفنجان، ويتوعد من يصدّقون قُرّاء الفناجين. كما أن عبقرينا المتعبقر يضبط نتيجته مقدما بحيث يصل لما يريد دائما دون تردد أو تلعثم أو توسوس. إنه أبو العُرّيف الجاهز، القافز فوق كل الحواجز! ربنا يحميه، من أعين شانئيه! ومرة أخرى نذكر القراء بأنه هو نفسه قد قال إن البحث فى مثل هذه القضايا يحتاج إلى الاستعانة بعدة علوم هى علم اللغة وعلم الأنثروبوليوجيا الطبيعية والأنثروبولوجيا الاجتماعية المقارنة والأثنولوجيا المقارنة والفونوطيقا المقارنة والأديان المقارنة والأساطير المقارنة والآثار بفروعها المختلفة وتاريخ الفنون والآداب (ص 131- 132). ولكنه مع ذلك لا يبالى بعشر معشار ما قاله.
هذا، وقد سبق أن قلنا إن "البنان" هو الإصبع أو طرف الإصبع لا الإصبع فقط، ونضيف هنا أن "بنان" ليست مفردا كما يظن بسلامته "أستاذنا الدكتور"، بل هى جمع، ومفردها "بنانة". وهذا يبين لك أيها القارئ ما أثبتُّه فى هذ الدراسة من هزال محصوله العلمى فى الموضوع الذى يتناوله، ولسوف تقابل فى الدراسة أمثلة أخرى كثيرة من هذا الجهل المخزى باللغة العربية، فاصبر ولا تستعجل يا صديقى القارئ الكريم. وبالمناسبة فكل ما قاله عن تنقل الكلمة بين اللغات الأوربية ليس له فيه إلا ما لى أو لك فى ملكية أرض المريخ، إذ هو منقول نقلا من بعض الكتب الأوربية بعُجَرِه وبُجَرِه. أما حين يتدخل برأيه، إن صح تسمية هذا السخف رأيا، فقل: يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم! وأرجو ألا يفوتك إلحاحه المستمر على أن اللهجة المصرية لغة مستقلة برأسها، وليست مستوى من مستويات اللغة العربية، وذلك كى يرسّخ فى عقول المصريين ونفوسهم أن لهم لغة خاصة بهم لا علاقة لها بالعربية إلا كالعلاقة بينها وبين أية لغة أخرى، وذلك تمهيدا لإزاحة لغة القرآن وإحلال العامية محلها، ثم إزاحة هذه بدورها لتحل محلها القبطية، التى يسميها دائما: "المصرية القديمة"، قى مقابل العامية التى هىعنده "المصرية" الحالية، والتى يجعل لها الرجحان على العربية، إذ يقرر فى كثير من الأحيان أنها هى المصدر الذى استقت منه لغة العرب هذه الكلمة أو تلك.
ومعنى هذا أن العربية لغة لقيطة ولا قيمة لها، بل تعيش على الشحاذة من اللغات الأخرى، ومنها القبطية. يعنى يا عرب أنتم لم تأتونا بشىء، بل لقد ساهمنا فى بناء لغتكم التى تتباهون بها أى مباهاة. ويمكن القارئ أن ينظر فى الفصل التاسع الذى يبدأ من ص 247 على سبيل المثال. ولاحظ ما تعج به بعض المواقع التبشيرية القبطية من قوائم المفردات والتعبيرات القبطية التى يزعمون أن العربية قد أخذتها، واربط ذلك كله بالنشاط الكنسى لتحويل المصريين من الإسلام إلى النصرانية بحجة العودة إلى الجذور والأصول وخلع الثياب المستعارة من العرب، وحرصهم على عرض الكتاب الحالى فى بعض تلك المواقع. وهو نشاط محموم يستند إلى الوهم المجنون بأن ساعة الإسلام قد دنت وأن ما تصنعه الآن أمريكا وإسرائيل والغرب عموما فى المنطقة فرصة لا تعوَّض لإنجاز الأحلام والأمانى التى كانت مستكنة فى ظلام الصدور كالأفاعى والعقارب لا تستطيع الإعلان عن نفسها قبل ذلك حين لم يكن الجوّ مواتيًا كما هو الحال الآن!
وهو ، كما قلنا وكما سنرى فيما بعد، دائم الزعم بأن العامية المصرية تأخذ من اللغات الأجنبية رأسا كما تفعل الفصحى سواء بسواء، فإذا أخذت الفصحى (على حد زعمه لا على أساس الواقع والحقيقة) كلمة "إصبع" مثلا من إحدى تلك اللغات أخذت العامية كلمة "صُبَاع" من نفس تلك اللغة مباشرة، أى أن كلمة "صباع" ليست تحويرا لكلمة "إصبع" (مثل "صُوبَع" و"صَابِع")، بل هى كلمة أخرى قريبة منها تنتمى مثلها إلى ذات اللغة الأجنبية انتماء مباشرا، بالضبط مثلما تتقارب الألفاظ فى بعض اللغات الأوربية أحيانا دون أن يقضى هذا التقارب على استقلالية أى منها ولا يجعل منها لهجات فى لغة واحدة.
وانظر كذلك (ص 295) دعواه دون أى دليل أن اللغة العربية كلها تقريبا مأخوذة من غيرها حتى ليؤكد أن كلمات مثل "قميص ومنديل وقربان وكفاءة وهجرة وحج ولغز وبئر وسِدْرة وعَرَار ونرجس وجواد وحصان ومهر وقافلة وملك ولغة وسياسة وقانون وناموس وقائد وجند وعسكر وشرطة، فضلا عن "ألف كلمة وكلمة وردت فى القرآن أو فى الشعر الجاهلى أو فى فصيح كلام العرب وأدبهم ثم نجد أنها ذات وشائج بكلمات يونانية ولاتينية تحمل نفس المعانى. وهنا لا يسعنا (وهذا نص كلامه) إلا أن نطرح هذا السؤال الخطير: متى دخلت كل هذه الألفاظ اليونانية واللاتينية (الهندية الأوربية) اللغة العربية السامية الأصول؟ وكيف دخلت؟". فانظر كيف وضع العربة قبل الحصان وافترض أن العربية هى التى أخذت هذه الألفاظ من غيرها لا العكس. صحيح أنه طرح هذا الاحتمال الأخير ضمن عدة احتمالات أخرى، بيد أنه عند التطبيق كان ينطلق دائما إلا فى النادر من أن العربية هى الآخذة، وأن اللغات الأخرى هى المعطية المتفضلة!
لقد كان ينبغى أن يبدأ بالتدليل على أن تلك الألفاظ ليست عربية أوّلاً ويتيقن من ذلك بحيث لا تبقى هناك خالجة شك فيه، أما أن يدخل فى الموضوع على أساس أن تلك الألفاظ مستعارة من الخارج، فأىّ استبلاه هذا؟ ثم إنه يأخذ بعدها فى البحث عن العوامل المسؤولة عن ذلك، وكأن الأمر مفروغ منه ولا يحتاج إلى عناء البرهنة عليه لأنه من الوضوح بمكان مكين، بل من المسلمات التى لا يمكن مناقشتها. وحتى عندما يقول إنها دخلت اللغة العربية فإنه لا يُدْخِلها إلى العربية مباشرة، بل يدخلها لغة سامية أخرى أولاً ثم بعد ذلك يدخلها العربية، أى أن العربية حتى فى الاستعارة تأتى فى الصفوف المتأخرة. ثم إنه لا يترك اللغة السامية الأخرى على حالها بل يجعل حضارتها آرية الطابع والشخصية. أى أن الخير كله والبركة كلها والتحضر كله من الجنس الآرى، أما الساميون فهم من أجل خاطر العرب أولاد ستة وستين.
كذلك فقد طرح، فى نهاية الاحتمالات التى ذكرها تفسيرا لهذا التشابه المزعوم فى الألفاظ المشار إليها، الاحتمال القاضى بعدم تأثير اللغات السامية والآرية بعضها فى بعض، بل رجوع المجموعتين بالأحرى إلى أصل مشترك، وإن كان قد أخر هذا الفرض من جهة، كما أنه لم يتحمس له من جهة أخرى. بل إن ما سبق أن قاله فى أول الفصل يدل على أنه قد طرحه كـ"بَرْو عَتَب"، وإلا فلماذا لم يأخذ به بل أخذ بنقيضه تماما، ألا وهو التسليم من البداية بأن العرب قد أخذوا ألفاظ لغتهم من غيرهم إلا فى الشاذ النادر كما بينتُ آنفا؟ ليس الألفاظ الحضارية فقط بل كذلك الألفاظ الأولية كالحياة والموت والأب والأم والأخ والأخت، والألفاظ المتعلقة أشد التعلق وأوثقه ببيئتهم كالحصان والـمُهْر والقافلة والبئر والسِّدْرة والعَرَار والحج وغير ذلك. بل إنه (ص 543) لم يترك كلمات مثل "صحراء" و"صخر" و"حجر" و"صقر" دون أن يقول باستعارتها من المصرية القديمة، وكأن العرب، أو القوقازيين الذين انتقلوا إلى ما أصبح يسمى بعد ذلك بــ"الجزيرة العربية" لو سلمنا له بنظريته السخيفة التافهة المتهافتة، ظلوا يسكنون الصحراء ويشاهدون الصخور حولهم، ويرون الصقر يحوم فى الجو فوق رؤوسهم ويستعينون به فى الصيد، ويستعملون الحجر فى كل أمور حياتهم حتى فى نَصْب القدور عليها فى العراء حين يوقدون تحتها النار لأمر أو لآخر، دون أن يعرفوا أن هذا يسمى: حجرا، أو أن ذلك يسمى: صقرا، أو أن تلك تسمى: صحراء!
وأرجو ألا يفوتك حَشْرُه القرآنَ فى وسط كلامه هنا مع أنه لم لا داعى إلى ذكره، إذ البحث إنما هو فى اللغة العربية كلها لا فى القرآن بالذات، بَيْدَ أن الحقد الذى يأكل القلوب وبهريها يأبى إلا أن يشق هذه القلوب من الداخل ويطل علينا بوجهه القبيح المربدّ وفمه الأدرد المنتن! والغريب أن يكرر صاحبنا هذا مرة أخرى (ص 298) بعد ذكره الاحتمال القائل بأن العرب يمكن أن يكونوا هم المعطين لا الآخذين. ثم هل يمكن أن يكون العرب عالة على الآخرين فى كل شىء حتى فى اللغة؟ الواقع أننا لم نسمع أنهم تركوا لغتهم يوما حتى يقال إنهم صنعوا ما صنعه الأمريكان اللاتين مثلا حين تركوا لغاتهم الأصلية إلى الإسبانية، أو ما فعله الإسبان حين فتح العرب إيبريا وانتشرت العربية، ثم بقى كثير من كلماتها فى الإسبانية حتى بعد خروج الإسلام من هناك. أما العرب فلم يحدث لهم هذا، ومن يزعم سوى ذلك فليأتنا بالدليل، أما البهلوانيات فليس مكانها العلم ولا أهلها العلماء. وبطبيعة الحال لابد أن يكون القارئ قد تنبه إلى الحكمة الشيطانية التى أوجبت على لويس عوض تأخيره ظهور العرب والعربية إلى وقت جد متأخر عن التاريخ الحقيقى لهما، إذ قد وضع نُصْبَ عينيه منذ البداية أن تكون اللغة العربية متأثرة بغيرها من اللغات، اللهم إلا فى كم كلمة لا راحت ولا جاءت!
قلنا إنه دائم الزعم بأن العامية المصرية تأخذ من اللغات الأجنبية رأسا كما تفعل الفصحى سواء بسواء. أى أن كلمة "صباع" مثلا ليست تحويرا لكلمة "إصبع"، بل هى كلمة أخرى قريبة منها تنتمى مثلها إلى ذات اللغة الأجنبية انتماء مباشرا، بالضبط مثلما تتقارب الألفاظ فى بعض اللغات الأوربية أحيانا دون أن يقضى هذا التقارب على استقلالية أى منها ولا يجعل منها لهجات فى لغة واحدة. أفهمت، أيها القارئ العزيز، أصول اللعبة التى يمارسها لويس عوض ونفضحها نحن ونكشف عن الأساس الهائر التى بُنِيَتْ فوقه وننسفه نسفا؟ ومن هذا الوادى البزرميط أيضا نسبته كلمة "لغة" إلى "لوجوس" اليونانية، وزعمه أن "لغوة" هى صيغة من كلمة "لهجة" المأخوذة من الجذر "لوج"، ومثلها فى ذلك "يرغى" (ص 237)، مع أن "لغوة" هى الصيغة العامية من "لغة" بعد إعادة الواو التى كانت قد حُذِفت من آخرها وحَذْف الهاء التى جاءت تعويضا عن تلك الواو المحذوفة. وهى فى العامية مفتوحة العين كأنها اسم مرة: هكذا بكل بساطة، ودون بهلوانيات متخلفة عقليا!
ويبدو أن العرب كانوا يستخدمون هذه المادة أولاً فى الكلام غير المقبول أو الذى لا يُعْتَدّ به، ثم توسعوا فى معناها وأصبحت تستعمل لمطلق الكلام كما هو واضح. أما قوله إن "لغوة" مأخوذة من "لهجة" فهو يعرف قبل غيره أنه بكش محض، بيد أنه يريد إشاعة الاضطراب فى اللغة وتمزيقها عِضِين بحيث لا يعرف أحد فيها شيئا عن أى شىء ويتفرق دمها فى اللغات جميعا فلا يخضع أى شىء فيها لقاعدة ولا تكون هناك أية رابطة بين مفرداتها، بل تكون شَذَر مَذَر، ويجرى كل عنصر من عناصرها فى مدار لا تربطه بمدارات العناصر الأخرى أية وشيجة.
وأما "يرغى" فلا علاقة له البتة بـــ"لوجو" أو "لنجوا" أو حتى بــ"لغا" العربية، بل هو من "أرغى" كما تفعل الإبل عندما تصوّت ويخرج من فمها الرُّغَاء، وهو ما يحدث للشخص إذا تكلم وهو منفعل مهتاج. ولذلك نسمعهم يقولون: "أرغى فلان وأزبد"، والإزباد والإرغاء لهما نفس المعنى تقريبا. والمقصود تأكيد ما يكون عليه الشخص المهتاج من الانفعال الشديد والكلام الكثير! ولويس عوض يعرف ذلك تماما، لكنه يمارس مهمة محددة كررتُ الكلام عنها فى مواضع مختلفة من هذه الدراسة. ذلك أن مثل هذا الأمر ليس بالذى يعلو على مداركه رغم ضعفه فى الموضوع الذى يتصدى له هنا، إذ إن معنى "الإرغاء" هو مما يعرفه كل أحد، ولويس عوض هو "أحد" من هؤلاء "الأحدين" رغم كل شىء، وإلا فإنها لمصيبة بل كارثة إذا كان فعلا يؤمن بهذا الذى يقول، إذ الأمر فى هذه الحالة يخرج عن ميدان العلم واختصاص علماء اللغة إلى شىء آخر وإلى رجال آخرين يعالجونه بطريقتهم.
وبعد فإنه لا ينقضى منى العجب من قول نجيب محفوظ عن كتاب الدكتور لويس إنه قد بهره منه "منهجه العلمى ودقته الكبرى فى البحث والتقصى" (انظر لويس مجلى/ لويس عوض ومعاركه الأدبية/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1995م/ 510)! أى منهج علمى يا ترى؟ وأية دقة كبرى أو حتى صغرى؟ إن نجيب محفوظ يقول قبيل ذلك إنه لا يقارب القراءة فى دراسات فقه اللغة إلا برفق ومن بعيد، فلماذا إذن هذه المبالغة المقيتة فى مدح الكِتَاب؟ أمن المعقول أن يكون هذا هو مستوى نجيب محفوظ فى الفهم بحيث لم يستطع أن يتبين شيئا من السخف والتفاهة فى تلك الأوراق الفضيحة التى تسمى مع ذلك بحثا؟ أم هل من المعقول أن تصل المجاملة إلى ذلك المدى المزعج للحق والحقيقة؟ كيف فاته كل تلك الملاحظات البشعة التى أظهرها منتقدو لويس عوض وكتابه؟ إنها إذن لمحنة أن يتصدى واحد كنجيب محفوظ لكتابٍ مملوء بالثغرات ومكشوف العورات كهذا الكتاب ثم لا يرى رغم ذلك شيئا من هذه العورات ولا تلك الثغرات، بل يرى على العكس من ذلك "منهجه العلمى ودقته الكبرى فى البحث والتقصى". اللهم سترك!
*****
هذا، وهناك مصائب أخرى متلتلة تزيد بشاعةً عن نظيرتها اللغوية منها قوله مثلا (ص 30) إن المرأة في المراحل المبكرة من تاريخ القبائل العربية كانت تشغل منصب رأس القبيلة، موردا الأسماء المؤنثة لبعض أشهر تلك القبائل مثل أُمَيّة وربيعة وكِنْدَة ومُرّة دليلا على ذلك وعلى أن المجتمع العربى آنذاك كان مجتمعا أُمَوِيًّا (matriarchal society). وهو دليل متهافت ككل شىء فى الكتاب، لأن هذه الأسماء رغم تأنيثها الظاهرى هى أسماء رجال. ومعروف، إلا للجاهلين المتسرعين أو الخبيثين السيئين، أن اسماء الأعلام عند العرب كثيرا ما تكون مؤنثةً صيغةً، إلا أنها تُطْلَق رغم ذلك على الذكور، ومنها الأسماء التى بين أيدينا والتى ما من واحد منها إلا ويطلق على شخص عربى مشهور، مثل أُمَيّة بن أبى الصَّلْت الشاعر المخضرم المشهور، وأمية جد أبى سفيان بن حرب بن أمية، وربيعة أبى عتبة وشيبة بنى ربيعة، وهما والد هند بنت عتبة (زوجة أبى سفيان) وعمها اللذان قتلهما على وحمزة فى غزوة بدر، وربيعة والد لبيد بن ربيعة الشاعر المخضرم، وربيعة بن مقروم الضبى، وهو شاعر مخضرم أيضا، وربيعة الرأى أحد الفقهاء المشهورين فى عصر بنى أمية وبنى العباس، وكندة أحد أجداد امرئ القيس الملك الضِّلِّيل وصاحب أشهر المعلقات حسبما ورد فى نسبه الموجود فى "الشعر والشعراء" لابن قُتَيْبَة و"الأغانى" للأصفهانى، وكندة بن خالد العجلانى، وهو شاعر ورد ذكره فى كتاب "أشعار النساء" للمرزبانى خلال خبرٍ عنه وعن هند بنت الغطريف العجلانية فى شعر تبادلاه، وقبل ذلك كله كندة زعيم القبيلة التى سميت باسمه والتى يزعم عالمنا العلامة التى لم تلده ولادة أنه كان امرأة، وهذا هو اسمه ونسبه كاملا طبقا لما جاء فى "العقد الفريد" لابن عبد ربه: "كندة بن عُفير بن عَدِيّ بن الحارث بن مُرّة بن أدد بن زَيد بن يَشْجُب ابن عَريب بن زَيدبن كَهَلان"، وكذلك كندة بن هذيم الطائى الكوفى الشاعر الإسلامى الذى ترجم له المرزبانى فى "معجم الشعراء"، ومُرَّة البكرى ومُرَّة بن رَوَاع الأسدى، وهما من شعراء الجاهلية، ومُرَّة بن جنادة الشاعر الإسلامى، ومُرَّة بن محكان السعدى الشاعر الأموى. وبالمناسبة فإنى لا أذكر أننى سمعت بامرأة عربية تسمى: أُمَيّة أو رَبِيعة أو كِنْدة أو مُرّة!
ومن أسماء الأعلام المؤنثة المشهورة التى تطلق على الرجال أيضا غير تلك الأسماء عَبَدة (بن الطبيب) وطرفة (بن العبد) وعلقمة والنابغة وضمرة (النهشلى) ومسيلمة (الكذاب) وورقة وحمزة وأسامة وطلحة وحُذَيْفة ومعاوية وأرطأة (أبو بُسْر بن أرطأة) وسَمُرة (بن جندب) ومحيّصة (بن مسعود) وثعلبة، والحُطَيْئة، وسبطة ولبطة وحبطة (أولاد الفرزدق)، وتَوْبَة (بن الحُمَيِّر) وجَحْظَة (البرمكى) ومسلمة ومخرمة وحارثة وخارجة وحنظلة وخُزَيْمة ودِحْيَة ورؤبة ودَوْقَلة ورفاعة وساعدة وسَلَمة وعُرْوة وعرفطة وعرفجة وعرقلة وعطية وعُقْبَة وعمارة وعنترة وعُمَيْرة وقتادة وكنانة وكلدة وجُهَيْنة وهُدْبَة (بن الخشرم). ومن هذا يتبين للقارئ الكريم كيف أن لويس عوض لا يلم بأبسط الأشياء المتعلقة بموضوعه، وهى فضيحة أخرى من فضائحه التى لا تنتهى فى هذا الكتاب!
وفى بداية الفصل الثانى من كتابه تحت عنوان "مشكلة اللغة ونظرية اللوجوس" يقول لويس عوض ما يلى: "فى "رسالة الغفران" للمعرى أن ابن القارح عندما يئس من مجادلاته مع الشعراء فى الجنة انصرف عنهم إلى مكانه، "فيلقى آدم عليه السّلام في الطريق فيقول: يا أبانا، صلَّى الله عليك، قد رُوِيَ لنا عنك شعرٌ منه قولك:
نحن بنو الأرض وسكَّانها* منها خُلِقْنا، وإليها نعود
والسَّعْد لا يبقى لأصحابه* والنَّحْس تمحوه ليالي السُّعود
فيقول: إنَّ هذا القول حقٌّ، وما نطقه إلاّ بعض الحكماء، ولكنِّي لم أسمع به حتى السّاعة. فيقول، وفّر الله قسمه في الثَّواب: فلعلَّك يا أبانا قُلْتَه ثمَّ نسيت، فقد علمت أنَّ النسيان متسرّعٌ إليك، وحسبك شهيدا على ذلك الآية المتلوَّة في فرقان محمد صلى الله عليه وسلم: "ولقد عَهِدْنا إلى آدم من قَبْلُ فنَسِيَ ولم نجد له عزما". وقد زعم بعض العلماء أنك إنّما سُمِّيتَ إنسانا لنسيانك، واحتجَّ على ذلك بقولهم في التَّصغير: أُنَيْسِيَان، وفي الجمع: أَنَاسِيّ. وقد رُوِيَ أنَّ الإنسان من النسيان، عن ابن عبَّاس. وقال الطائيّ:
لا تَنْسَيَنْ تلك العهود، وإنَّما* سُميِّت إنسانًا لأنّك ناسِ
وقرأ بعضهم: "ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاسِ" بكسر السّين، يريد "النّاسي"، فحذف الياء كما حذفت في قوله: سواء العاكف فيه والبادِ. فأمّا البصريُّون فيعتقدون أنَّ الإنسان من الأنس، وأنَّ قولهم في التَّصغير: "أنيسيان" شاذ، وقولهم في الجمع: "أناسيُّ" أصله "أناسين"، فأُبْدِلت الياء من النون. والقول الأوَّل أحسن . فيقول آدم صلَّى الله عليه: أبيتم إلاَّ عقوقًا وأذيَّةً، إنّما كنت أتكلَّم بالعربيَّة وأنا في الجنَّة، فلمّا هبطت إلى الأرض نُقِل لساني إلى السُّريانيَّة، فلم أئطق بغيرها إلى أن هلكت. فلمَّا ردَّني الله سبحانه وتعالى عادت عليَّ العربيَّة. فأيَّ حينٍ نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة. ألا ترى قوله: منها خُلِقْنا وإليها نعود؟ فكيف أقول هذا المقال ولساني سُريانيّ؟ وأمَّا الجنّة قبل أن أخرج منها فلم أكن أدري بالموت فيها"...".
ويعقب الدكتور لويس بقوله: "فى هذا التهكم الموجع الذى كتبه المعرى فى "رسالة الغفران" نحو 1024 ميلادية يتصدى المعرى بالسخرية لنظرية غُلاة السنة ثم الأشاعرة الشهيرة فى "قِدَم القرآن" ووجوده بنصه فى عقل الله وفى اللوح المحفوظ قبل الخليقة وما انبنى عليها من نظريتهم فى أن اللغة العربية التى نزل بها القرآن قديمة قدم الله أو على الأقل: قدم الخليقة، وأن آدم كان يتكلم العربية فى الجنة حتى لقد نسبوا إليه شعرا حفظته العرب. وطريقة المعرى فى التعريض بهذا الرأى هو المشايعة الساخرة بمعنى قوله: فليكن. ربما كان آدم يتكلم العربية فى الجنة، ولكن ما إن نزل إلى الأرض حتى تكلم السريانية. فإذا كانت العربية أقدم لغة فى السماء فالسريانية أقدم لغة على الأرض. والمعرى طبعا لا يقصد إلى هذا المعنى بحرفه، وإنما كل ما يقصد إليه هو: ما هكذا يكون البحث فى تاريخ الأديان أو تاريخ اللغات، ففى الدنيا كتب أخرى مقدسة غير القرآن، ولغات أخرى غير العربيية. وهذه وتلك "مخلوقة" أو "محدثة"، وليست قديمة قدم الله، وإنما بدأت بوجود الإنسان على الأرض. وإذا جاز الكلام عن السريانية أو العبرية فيجوز أيضا عن العربية" (ص 72- 74).
والحق أنه ليس فى كلام شاعر المعرة أى شىء مما يهرف به لويس عوض، فلم يقل الرجل إن فى الدنيا كتبا مقدسة غير القرآن، وأتحدى أى إنسان يزعم خلاف ذلك أن يدلنى على النص الذى يشير إلى هذا صراحة أو تضمينا، فضلا عن أن المسلمين يؤمنون بأن الكتب السماوية السابقة على القرآن قد أصابها التحريف والنسيان فلم تعد ذات الكتب التى نزلت من السماء، أو ضاعت ولم يعد إليها من سبيل. وإذا كان أهل الأناجيل أنفسهم يقولون مثلا إنها مكتوبة بأقلام بعض النصارى بعد ترك المسيح الأرض بعشرات الأعوام مما يدل على أنها ليست هى الإنجيل الذى أنزله الله على عبده ورسوله عيسى عليه السلام، ومثلهم فى ذلك اليهود، الذين يقولون إن عُزَيْرًا هو الذى كتب التوراة من الذاكرة، فكيف يُتَصَوَّر أن يقول المعرى المسلم إن هناك كتبا أخرى سوى القرآن مقدسةً تقديسَه فهو لا يتميز إذن بشىء عنها؟ أى أنه ليس فى كلام المعرى لا نصًّا ولا عقلاً أى شىء مما يزعمه الدكتور لويس! إنما هو كلام مستكن فى قلب دكتورنا أسقطه على المعرى ويريدنا أن نلغى عقولنا ونصدق أن الشاعر الفيلسوف هو الذى قاله. مسكين المعرى مع الدكتور لويس! ويبدو أنه موعود كل فترة أن تصيبه غاشية من الظلم على يد الدكتور.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس فى كلام الشاعر القديم أى شىء أيضا عن قضية خلق القرآن. إن الكلام منحصر فيما نُسِب لأبى البشر من شعر، والمعرى يرفض هذه النسبة على لسان آدم ذاته، وهذا كل ما هنالك، ولا كلام عن قِدَم القرآن أو حدوثه، بل هذا أيضا إسقاط من لويس عوض على فكر المعرى كما هو واضح لكل من له عينان. وحجة المعرى على لسان آدم مكونة من شقين: إذا كانت لغة آدم حين نزل إلى الأرض هى، حسبما يؤمن الناس، اللغة السريانية، فكيف يمكن أن يكون قد نظم شعرا كهذا بالعربية التى لم يكن يتحدثها على الأرض؟ وإذا قلنا إنه إنما نظم هذا الشعر وهو لا يزال فى الجنة يتحدث العربية، فالسؤال هو: كيف يمكن أن يكون قد نظم هذا الشعر الذى يشير فيه إلى خلقه من الأرض وأنه بعد الموت والبعث سوف يعود إليها، وهو لم يكن رأى الأرض أصلا ولا ذاق الموت بعد؟ أرأيت كيف أن لويس عوض يتقول على الرجل الأقاويل وينسب له ما لم يدر بخَلَده؟ ليس فى كلام المعرى إذن شىء له صلة بتاريخ الأديان أو المقارنة بينها على الإطلاق، ولا فيه البتة شىء عن قِدَم القرآن أو حدوثه، ولا فيها كذلك شىء عن طبيعة اللغات البشرية بعامة، أو العربية بخاصة، وهل هى سابقة على الوجود البشرى أو لاحقة له. ثم ما حكاية "عقل الله" التى ينسبها لويس عوض فى الزحمة للمسلمين؟ ترى متى استعمل المسلمون مصطلحا كهذا المصطلح؟ فليرنا لويس عوض ذلك، وساعتها يصير هناك كلام آخر. المسلمون يتحدثون، إذا تحدثوا فى مثل هذه الأمور، عن "علم الله"، أما "عقل الله" فلْيلعب لويس عوض لعبة سواها!
وأما ما قاله بعد ذلك من أن المعرى كان يأخذ إِخْذ الفلاسفة والمعتزلة، الذين يقولون إن الإنسان مخير لا مسير وإن الله موجود بذاته فقط وإن صفاته غير مساوية لذاته، لأنها لو ساوتها لانفتح الباب مرة أخرى أمام تعدد الآلهة، وذلك على عكس السنة والأشاعرة الذين ينسب إليهم لويس عوض أنهم كانوا يقولون بالجبر المطلق وبأن الله موجود بذاته وصفاته معا وبأن القرآن قديم قِدَم الله (ص 74)، أما قوله هذا فقد خلط فيه بعض الحقائق التاريخية ببعض الأباطيل، إذ لم يقل أهل السنة والأشاعرة بالجبر المطلق، بل قالوا بوجود كسب بشرى، وهو شىء مختلف عن الجبر الذى يدعيه عليهم الدكتور لويس. كما أن المعتزلة لم ينفوا صفات الله، بل كل ما قالوه أن ذاته هى عين صفاته، أى أنهم ينسبون له سبحانه صفات، إلا أنهم لا يفصلونها عن ذاته العلية، وهو ما يعنى أن القول بأنهم لا يساوون بينها وبين ذاته هو تحميل للقضية بما لا تحتمل على الإطلاق، إذ القول بأن ذاته سبحانه هى عين صفاته لا يمكن أن يكون معناه أن المعتزلة لا يساوون بين ذات الله وصفاته.
ومما يهرف به لويس عوض أيضا، وكل ما يقوله تقريبا فى هذا الكتاب هو كذلك إلا الشاذ النادر الذى لا يُعَوَّل عليه، زعمه أن غُلاَة القائلين بوجوب سيادة العرب على غير العرب من المسلمين كانوا يقولون كذلك بأن القرآن يخلو تماما من أى لفظ غير عربى (ص 85). ولكنْ لننظرْ أولاً فى النص التالى الذى ألـمّ فيه الإمام السيوطى بهذا الموضوع فى كتابه: "الإتقان فى علوم القرآن" تحت عنوان "النوع الثامن والثلاثون فيما وقع فيه بغير لغة العرب": "قد أفردتُ في هذا النوع كتابًا سميته: "المهذَّب فيما وقع في القرآن من المعرَّب"، وأنا ألخص هنا فوائده فأقول‏:‏ اختلف الأئمة في وقوع المعرَّب في القرآن: فالأكثرون، ومنهم الإمام الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس، على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: "قرآنًا عربيًّا" وقوله تعالى: "ولو جعلناه قرآنًا أعجميًّا لقالوا: لولا فُصِّلَتْ آياته. أأعجميٌّ وعربيٌّ؟". وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك‏. وقال أبو عبيدة‏:‏ إنما أُنْزِل القرآن بلسان عربي مبين‏. فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن "كِذّابًا" بالنبطية فقد أكبر القول‏. وقال ابن أوس: لو كان فيه من لغة غير العرب شىء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن أنها بالفارسية والحبشية والنبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد‏.‏ وقال غيره‏:‏ بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعد مخالطة لسائر الألسن في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظًا غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن‏. وقال آخرون‏:‏ كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدًا ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجِلَّة‏.‏ وقد خفي على ابن عباس معنى "فاطر" و"فاتح". قال الشافعي في الرسالة‏:‏ لا يحيط باللغة إلا نبي‏. وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك‏:‏ إنما وُجِدَتْ هذه الألفاظ في لغة العرب لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظًا‏،‏ ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاظ‏.‏ وذهب آخرون إلى وقوعه فيه‏،‏ وأجابوا عن قوله تعالى: "قرآنًا عربيًّا" بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيًّا، والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية‏، وعن قوله تعالى: "أأعجمي وعربي؟" بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمي ومخاطَب عربي‏؟ واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو "إبراهيم" للعَلَميّة والعجمية. ورُدَّ هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست مكان خلاف، فالكلام في غيرها موجَّه بأنه إذا اتُّفِقَ على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس‏.‏ وأقوى ما رأيته للوقوع، وهو اختياري، ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل، قال‏:‏ في القرآن من كل لسان‏. وروى مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه‏.‏ فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب‏. ثم رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال‏:‏ من خصائص القرآن على سائر كتب الله تعالى المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، لم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم. والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأُنْزِل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير. انتهى‏.‏ وأيضًا فالنبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه"، فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو‏.‏ وقد رأيت الجويني ذَكَر لوقوع المعرَّب في القرآن فائدة أخرى فقال‏:‏ إن قيل إن "استبرق" ليس بعربي، وغير العربي من الألفاظ دون الفصاحة والبلاغة، فنقول‏:‏ لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك، وذلك لأن الله تعالى إذا حث عباده على الطاعة فإن لم يرغّبهم بالوعد الجميل ويخوّفهم بالعذاب الوبيل لا يكون حثه على وجه الحكمة، فالوعد والوعيد نظرًا إلى الفصاحة واجب‏.‏ ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء، وذلك منحصر في أمور الأماكن الطيبة ثم المآكل الشهية ثم المشارب الهنيّة ثم الملابس الرفيعة ثم المناكح اللذيذة ثم ما بعده مما يختلف فيه الطباع. فإذًا ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح، ولو تركه لقال مَنْ أُمِر بالعبادة ووُعِد عليها وبالأكل والشرب إن الأكل والشرب لا ألتذ به إذا كنت في حبس أوموضع كريه، فلذا ذكر الله الجنة ومساكن طيبة فيها، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها، وأرفع الملابس في الدنيا الحرير‏.‏ وأما الذهب فليس مما يُنْسَج منه ثوب. ثم إن الثوب من غير الحرير لا يُعْتَبَر فيه الوزن والثقل، وربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن‏.‏ وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع، فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن ولا يتركه في الوعد لئلا يقصّر في الحث والدعاء‏. ثم إن هذا الواجب الذِّكْر إما أن يُذْكَر بلفظ واحد موضوع له صريح أو لا يُذْكَر بمثل هذا. ولا شك أن الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى لأنه أوجز وأظهر في الإفادة، وذلك "إستبرق". فإن أراد الفصيحُ أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة. ولا يجد العربي لفظًا واحدًا يدل عليه لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفُرْس ولم يكن لهم بها عهد ولا وُضِع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عرّبوا ما سمعوا من العجم واستغنَوْا به عن الوضع لقلة وجوده عندهم وندرة تلفظهم به‏. وأما إن ذكره بلفظين فأكثر فإنه يكون قد أخل بالبلاغة لأن ذكر لفظين بمعنًى يمكن ذكره بلفظٍ تطويلٌ. فعُلِمَ بهذا أن لفظ "إستبرق" يجب على كل فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه. وأي فصاحة أبلغ من ألاّ يوجد غيره مثله؟ انتهى‏.‏ وقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل العربية‏:‏ والصواب عندي فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعرّبتْها بألسنتها وحوّلَتْها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب. فمن قال‏:‏ إنها عربية فهوصادق، ومن قال: عجمية فصادق‏.‏ ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون"‏.‏
ومن هذا النص الذى اختصر فيه السيوطى المسألة من جميع جوانبها يتضح ما يلى: أن هناك عدة آراء فى هذه القضية لا رأيين اثنين فحسب كما يقول لويس عوض، إذ ثمة من يقول إن فى القرآن بعض الألفاظ الأعجمية، بيد أنها لم تعد كذلك بعد أن انصهرت قبل ذلك فى العربية وأضحت جزءا لا يتجزأ منها مثلما لا تخرج القصيدة الفارسية عن فارسيتها لوجود بعض الألفاظ العربية فيها مثلا. وإلى جانب ذلك كان هناك من يقول إن التشابه بين تلك الألفاظ ومثيلاتها فى اللغات الأخرى ليس تشابه أخذ واستعارة، بل تشابه مصادفة ليس إلا. وهؤلاء وأولئك قد سبقوا القاضى عبد الجبار فى ذَيْنِكَ الرأيين، فلا معنى إذن لمبالغة لويس عوض الهوجاء فى الثناء عليه وكأنه ابن بجدتها (ص 96)، إذ كان ثمة عدد من العلماء المسلمين يقولون بهذا وذاك من قبل. أى أن عبد الجبار لم يقل هذا دونهم، ولا قاله قبلهم. أما قول لويس عوض إننا لو أخذنا بهذا الرأى لما انشقت اللغة العربية شقين: فصحى وعامية (ص 98)، فلا أفهم كيف يكون ذلك، إذ الفصحى تمتص كل يوم من اللغات الأجنبية كلمات جديدة لم تتوقف عن ذلك قط، فأخذت من الفارسية، وأخذت من التركية، وأخذت من اللغات الأوربية فىالعصر الحديث، وإن لم يمنع هذا فيما بعد من ترجمة مثل تلك الكلمات فى كثير من الأحيان ليصبح لدينا لفظ أعجمى باق على حاله أو بعد تعريبه وإجرائه على أصول الصرف العربى، ولفظ عربى أصيل مترجم، ولتكون فرصة الاختيار واسعة أمام الكاتبين والمتحدثين. وعندنا على سبيل التمثيل كلمة "تليفزيون" و"تلفاز" و"مِرْناء"، وهذا مجرد مثال. ومع ذلك لم تختف العامية ولم تمت الفصحى، لأن هذا قانون من قوانين اللغة بوجه عام لا أمر خاص بلغتنا وحدها. ذلك أن الفصحى تشبه الملابس الرسمية، والعامية تشبه المنامة. تلك للحفلات والمناسبات الهامة، وهذه للمنزل أو لحجرة النوم ليس غير.
كذلك فإن القائلين بوقوع الأعجمى فى القرآن ليسوا جميعا من غير العرب الرافضين للسيادة العربية على عكس ما يزعم لويس عوض، وإلا فهل ابن عباس من أولئك الرافضين لحكم العرب؟ مصيبة أن تكون الإجابة بــ"نعم"! أليس كذلك؟ وبالمثل كان سعيد بن جبير ووهب بن منبه من القائلين بأن فى القرآن المجيد من كل لسان، وسعيد ووهب عربيان صميمان: الأول هو سعيد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والثانى وهب بن منبه بن كامل اليماني أبو عبد الله الأبناوي الصنعاني. وعلى الضفة الأخرى لدينا أبو عبيدة معمر بن المثنى، ولم يكن عربيا، بل كان شعوبيا يحمل أشد الحملة على العرب حتى لقد ألّف فى مثالبهم عددا من الكتب المشهورة، كما كان خارجيا حسبما نقل الذهبى عن ابن قتيبة أثناء ترجمته له فى كتابه: "سِيَر أعلام النبلاء". ومع ذلك كله كان يرى أن القرآن إنما أنزل بلسان عربى مبين، ومَنْ زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول على حد تعبيره المنقول عنه فى السيوطى. كذلك كان عبيد الله القاسم بن سلاّم غير عربى، إذ كان أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة، ورغم هذا كان من المتشددين فى إنكار وجود الأعجمى فى القرآن كما مر بيانه. وقد تنبه لويس عوض إلى ما كتبه السيوطى هنا، لكن من الواضح أنه لم يفهم أو فهم لكنه لم يشأ أن يقر بالحقيقة لغاية فى نفسه! ألا يبدو كلامه مضحكا إذن؟ ألا يدل هذا أيضا على أنه لا يصلح لتناول الموضوع الذى أخذ على عاتقه الكتابة فيه؟ فما رأى العلم والعلماء فى ذلك؟ وما القول فيمن يسميه: "أستاذنا الدكتور لويس عوض"، وكذلك فيمن يحرص على إبراز هذا التلقيب بالبنط العريض الطويل؟
أما مُشَاحّة لويس عوض فى أن العربية أوسع اللغات وأكثرها مفرداتٍ، وكذلك شَغْبه على الشافعى، الذى يقول بذلك، فمشاحةٌ وشغبٌ لا معنى لهما ولا لقوله أيضا إن كل أهل لغة ينظرون إلى لغتهم بنفس المنظار (ص 112)، إذ المعجم العربى موجود، وكذلك المعاجم الأجنبية، ومن السهل المقارنة بين أكبرها عندنا وأكبرها عندهم لمعرفة أى اللغات هى الأكثر مفردات. كما أن المقارنة بين نحونا ونحوهم على يد من يحيط بهذا وذاك لا على يد الجهلة المتحذلقين كفيلٌ بوضع أيدينا على اللغة الأوسع والأكثر مرونة فى طرق التعبير. وكذلك لا معنى لاعتراضه على قول الشيخ أحمد شاكر، الذى يرى سبق العربية على العبرية والسريانية والكلدانية، ذلك الاعتراض الذى وجد مجال تنفسه فى الفصول التى تلى ذلك من كتابه الفقير علما ومنهجا بل العديمهما، وهى الفصول التى انتصر فيها دائما لسبق اللغات الأخرى دون أى دليل سوى الفَهْلَوَة التى برع فيها، لكن فاته أن الفهلوة لا تؤكّل خبزا فى ميدان العلم الصحيح. وفيما رددنا به عليه على طول هذه الدراسة وفنّدنا سخفَه وسطحيتَه الكفايةُ والمقنع. ولنفترض أن اعتزاز العرب بلسانهم غير قائم على الاستقصاء والمقارنة، فما الذى يؤلم لويس عوض فى الأمر، وهو الذى أخذ على عاتقه برعونةٍ أن يثبت أن العربية مدينة لكل ما هب ولم يدب من اللغات الأخرى، ولم يبق إلا أن يقول إنها مدينة أيضا للغة البراغيث؟ أحلال على الآخرين أن بياهوا بلغاتهم وحرام علينا نحن العرب؟ فما بالنا إذا ما كنا موقنين من تبحر العربية المذهل فى مجال المفردات ومرونة الاشتقاق رغم تخلف العرب العلمى فى تاريخهم الحديث عن أصحاب اللغات الأخرى التى نقارنها بها، وكذلك من مرونة لسان يعرب وسلاسته فى تركيب الجمل والعبارات على نحو لا يتيسر أبدا لأى لسان آخر؟ وليس فى الشعور بمثل هذا الاعتزاز أى معابة يمكن أن تؤخذ على صاحبه، فضلا عن اتهامه باستنجاس اللغات الأخرى وتعاليه على غير أمته من الأمم فِعْل الآريين، على عكس ما يزعم الدكتور لويس، الذى يَقْرِف فضيلة الشيخ أحمد شاكر بهذا لمجرد أنه ينكر وجود الألفاظ الأعجمية فى القرآن المجيد (112- 113).
وبالمثل يخطئ لويس عوض خطأً فاحشًا، كدَيْدَنه فى فُحْش كل خطإ يقترفه، حين يدعى أن ابن جنى هو وحده من بين فقهاء اللغة جميعا الذى كان يقول بأن اللغة مواضَعة واتفاق. وهو كلام باطل، فابن جنى كان من المتوقفين لا إلى من يقول بالمواضعة والاتفاق ولا إلى من يقول بالإلهام والتوقيف. وفى كتابه: "الخصائص" نراه يعرض لكلا الرأيين وحجج القائلين به، ثم يعقّب بأنه لا يستطيع أن يرجح أيًّا منهما لتكافؤهما. بل إن فى بعض ما كتبه ما يُفْهَم منه أنه من هؤلاء، وفى بعضه الآخر ما يفهم منه أيضا أنه من أولئك، وهو ما يدل على أنه ظل مترددا بين الرأيين لا يحسم المسألة كما بينتُ فى كتابى: "من ذخائر الكتبة العربية" (دار الفكر العربى/ 1421هــ- 2000م/ 117- 119). وعلى أى حال فحتى لو قبلنا ما قاله لويس عوض، لقد كان هناك علماء آخرون يقولون بالاصطلاح البشرى لا بالإلهام الإلهى، ودليلنا على ذلك من ابن جنى نفسه لا من أى مصدر آخر، إذ قد ناقش هو نفسه، كما قلت قبل قليل، كلا من الرأيين والقائلين به، بما يدل على أنه كان قبله من يقولون بالاصطلاح إلى جانب أهل الإلهام. لا بل إن عبارته تفيد بما لا يقبل نقضًا ولا إبرامًا أن الغلبة فى هذا الموضوع هى للقائلين بالمواضعة لا بالتوقيف على خلاف ما زعم الدكتور لويس عوض (انظر كتابه: "الخصائص"/ تحقيق محمد على النجار/ الهيئة العامة لقصور الثقافة/ سلسلة "الذخائر"/ العدد 146/ 1/ 40)، وهو ما يبين بالبرهان القاطع أن بضاعة "أستاذنا الدكتور لويس عوض" العلمية بضاعةٌ مُزْجَاةٌ رغم كل التصايحات والطنطنات باسمه الذى أصبحت أَعُدّه علامةً مسجَّلةً على رداءة العلم وانحراف المنهج.
وفى هذا السياق ينتهز الدكتور لويس السانحة لكى يمرر فى الخفاء، آملا ألا يشعر به أحد، الزعم الكاذب الآخر بأن الحكومة الإسلامية هى حكومة ثيوقراطية، وهى الحكومة الدينية التى تجعل الشريعة أساس الدولة (ص 75)، وهذا كلام أقل ما يوصف به أنه غير دقيق ولا أمين، إذ الحكومة الثيوقراطية هى الحكومة التى يتولاها رجال الدين بأنفسهم بوصفهم نوابا عن الله، وهو ما لم يحدث فى الإسلام، وإن كان الإسلام دينا ودولة مع ذلك. فمن المعروف الذى لا يحتاج إلى تذكير أن رجال الدين لم يتولَّوْا فى الإسلام حكم الأمة، على عكس الحال فى النصرانية رغم أن النصرانية ليست دينا ودولة، وهذا من مفارقات التاريخ. لكن لويس عوض لا يترك فرصة من الفرص إلا وسمَّم فيها الآبار!
وهو يربط هذا بأن الحزب العربى فى الدولة الإسلامية المبكرة كان يرى أن المسلمين العرب هم وحدهم الحقيقون بتولى شؤون الحكم دون غيرهم لمعرفتهم بالعربية وأسرارها ولمقدرتهم من ثم على الإحساس بإعجاز القرآن بسبب ذلك على نحو أفضل منهم. ثم ذكر المعتزلة فى هذا السياق بوصفهم الممثلين للاتجاه المناوئ الذى يرى أن المسلمين سواسية فى أهليتهم لتولى مقاليد الحكم ما دامت تتوفر فيهم الشروط اللازمة لتلك المهمة. ومع هذا فإنه حين جاء دور الكلام فيما وقع فعلا من حوادث التاريخ لم يجد فى الساحة من ممثلى ذلك التيار سوى الخوارج والشيعة (ص 76): فأما الأولون فهم عرب لا أعاجم، وقد أورد هو نفسه هذه الحقيقة، إذ نقل كلام يوليوس فلهاوزن فى كتابه: "الخوارج والشيعة" عن أنسابهم فى قبائل تميم وبكر وهمدان ومُضَر والأزد واليمانية، وإن كان قد تبعهم على دعوتهم ناس من غير العرب أيضا (ص 77- 79). وأما الشيعة فإنهم، كما يعرف ذلك حتى الأطفال، يعتقدون أن الحكم إنما هو من حق أهل البيت وحدهم، ومعروف أن أهل البيت عرب لا أعاجم، بل هم صميم العرب. ولهذا كان من الغريب أن نسمعه يقول بعلو حسه إن "دعوة الشيعة إذن كدعوة الخوارج كانت دعوة شعوبية تمثل احتجاج أبناء الأمصار المفتوحة على حكم قريش والعرب للدولة الإسلامية" (ص 80)، وكأن عليا وذريته أمريكان أو روس وليسوا عربا، بل من الذؤابة فى قريش ذاتها! وكأن شيعة علىٍّ الذين التفوا حوله فى وجه معاوية كانوا غير عرب! وقد ذكر لويس عوض ذاته أنه كان على رأس الشيعة بعد موت على أشراف العرب وفرسانهم المستوطنون فى العراق. والحق أن الشيعة، باتخاذهم الانحياز لعلى وأبنائه ركنا من أركان الدين على ما هو معروف فى إضافتهم إلى مذهبهم ركنا سادسا هو ركن الإمامة، إنما يؤسسون لتولى العرب حكم المسلمين إلى الأبد!
أما قوله إن فكرة إعجاز القرآن قد انتقلت إلى فكرة إعجاز اللغة العربية نفسها، وإنه "بالقياس على هذا يُسْتَخْلَص ضمنا وصراحة أن الله تخير لحمل آخر رسالاته نبيًّا عربيًّا لأن العرب كانت خير أمة أُخْرِجَتْ للناس" (ص 85) فتعليقى عليه هو أننى لا أدرى من قال هذا من العرب أو غير العرب، فالإسلام واضح تماما فى هذا، وهو أن العرب ليسوا أفضل من غيرهم، ولا غيرهم أفضل منهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأن الله إذا كان قد أثنى على المسلمين الأوائل بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فإنه قد اشترط فى المقابل أن يأمروا بالمعروف ويَنْهَوْا عن المنكر ويؤمنوا بالله، وإلا فلا أفضلية لهم فى شىء. فالمسالة إذن ليست عصبية عربية ولا قرشية، بل مسألة قيم ومبادئ مَنْ حازها كان هو الأفضل، ثم لا يهمّ جنسه ولا عِرْقه بعد ذلك فى قليل أو كثير. ومن شأن هذا كله أن يبطل ما ظل "أستاذنا الدكتور لويس عوض" يهرف به طويلا ويسوّد به الصفحات تلو الصفحات! (يتبع)