كيف غنى العراقيون لصدام حسين ؟
وقائع مهزلة تاريخية ....
داود البصري
dasu@online.no
3 فبراير 2007


تاريخ المصائب السياسية في العراق هو تاريخ حافل بكل صور و صيغ النفاق السياسي و الإجتماعي الذي تحول و تميز و تلون حتى أضحى من مميزات الشخصية العراقية للأسف ، و هي الخصلة التي أستغلتها الفاشية البعثية البائدة خير إستغلال في صعودها التدريجي و المخطط سلفا وفقا لدراسات إجتماعية و سياسية وضعت مخططاتها و صيغت إطاراتها خارج العراق ، و ظاهرة تقديس الحكام و التغني بصفاتهم و مناقبهم بل و تفخيم شخوصهم لحدود مرضية هي من الظواهر التي رافقت صعود الحكام المكروهين من خلال بناء الشعبية المزيفة المستندة لعنصر الخوف أولا و أخيرا ، فمن المعلوم أن النظام الملكي السابق في العراق لم يكن نظاما تعسفيا يجبر الناس على قول مالا يريدون أو يحاول بناء أمجاد وهمية بل حاول البناء وفق قواعد جديدة في مجتمع خضع طويلا للهيمنة الأجنبية من بريطانية و عثمانية و فارسية ومغولية....

 وكان الملك فيصل الأول يتلمس السير بحذر في طريق الأشواك العراقية لعلمه التام بصعوبة إرضاء كل العراقيين وهي المهمة المستحيلة لدى كل شعوب الأرض فكيف بشعب العراق الذي كان على مر التاريخ عرضة للشقاق و الصراعات و لم توحده للأسف إلا سياسة القمع و القوة وهي المعادلة التي أمسكت بطرفها كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق و أبدع نظام البعث البائد بل و تفنن في تجربتها إلى حد الإفراط الفظيع في إستعمال العنف و القوة وحيث ذهب أقطاب النظام ذاته ضحية لتلك السياسة الهوجاء ، فلا سبيل للرحمة أو المغفرة أو العفو في قاموس حكام العراق ولعل ظاهرة الزعيم عبد الكريم قاسم كانت إستثنائية نسبيا رغم صعوبة المرحلة التي حكم خلالها العراق بعد إنقلاب 14 تموز/ يوليو الدموي الذي ملأ شوارع بغداد بالدم و الأشلاء و الجثث المسحولة بالحبال في أسوأ ظاهرة وحشية إنفلتت خلالها كل مكبوتات التخلف و الوحشية ، فعبد الكريم قاسم رغم تنفيذه لأحكام إعدام شاملة ضد العسكريين الذين حاولوا الإنقلاب عليه من جماعة عبد الوهاب الشواف و ناظم الطبقجلي في صيف 1959 إلا أنه عفا و صفح عن مجرمي و شقاوات البعث الذين أقدموا على إغتياله وجرحه في خريف 1959 و منهم صدام التكريتي نفسه الذي أفلت من المشنقة ليعلق عليها بعد أربعة عقود و نيف... فتلك خاتمة المجرمين...!

 عبد الكريم قاسم رغم حب جماهير الفقراء له ورغم أن بعضهم رغم إعدامه العلني بعد محاكمة سريعة لم تستغرق سوى دقائق معدودة في تلفزيون بغداد!! لم يصدق موته!! ، وكانت بداية تأليه و تقديس الحاكم قد بدأت وقتذاك و لكن وفق أساليب خجولة ، فيقال بأن المطربة العراقية قد غنت لعبد الكريم قاسم من خلال أغنية ( قالوا حلو كل الناس تهواه محبوبي وضميري دوم وياه سهرني الليالي و معذب أحوالي )!! وهي كلمات لأغنية عاطفية يمكن من خلال التورية تحريفها!! و لكن لم يتجاوز المدح ذلك الأسلوب....

 و كانت الحالة متشابهة مع جميع الحكام الذين تعاقبوا على العراق من عبد السلام عارف و شقيقه عبد الرحمن عارف ثم أحمد حسن البكر الذي دشن و أقام حكومة البعث طيلة إحدى عشر عاما قبل أن تصل الأمور بعد مخاضات و تصفيات و مؤامرات دموية لصدام حسين الذي دخل العراق مع بدايات عهده الدموية التي دشنها بدماء و رقاب البعثيين ذاتهم مرحلة دموية سوداء هي من أشد حقب التاريخ العراقي حلكة لا زال العراقيون يدفعون مستحقات فواتيرها حتى اليوم ، ففي عام 1979 تغيرت منظومة الأداء الإعلامي لسلطة البعث و التي قررت دخول مرحلة النازية و رفع شعار ( الوطن الواحد و الحزب الواحد و القائد الأوحد ) و تبارى المطربون و الملحنون و الشعراء في تجسيد مرحلة جديدة شعارها ( النفاق حتى الثمالة ) و التغني بخصال القائد الفريدة ، فكانت طباعة الصور الملونة الضخمة و بميزانيات مليونية و توزيعها على كل المنافذ الحدودية و الشوارع و المؤسسات و البيوت بما فيها بيوت دول الجوار!!! ، و كانت الأغنية الأولى التي أعدت و دماء أعضاء القيادتين القومية و القطرية لم تزل طرية تخضب حدائق القصر الجمهوري وهي أغنية : ( تسلم ... تسلم .. يا ريسنا و ياقايدنا.. تسلم .. تسلم .. مهما حزبك يسلم تبقى الثورة و تسلم...)!! ، و كانت فيالق الشعراء و الملحنين و المطربين على أتم إستعداد لتنفيذ المهمة ، فظهرت على الفور ( دويتو غنائي ) لطالبة تدعى ( فوزية و شقيقها ) تقول كلماتها : ( يا سيف يا راية يا فكر و عقيدة.. أمة العرب هبت و أنت قائدها ... لا حرة عربية بضيم تنضام ما تصرخ تنادي غير صدام!!... قائد شهم .. غيرة و عزم .. فخر العرب صدام )! ، ثم توالت المعلقات الغنائية لتواكب مرحلة بناء الزعامة الفاشية و تحقيق المشاريع العدوانية التي جاء نظام صدام لينفذها بدماء العراقيين و إستعدادا لمرحلة عسكرية صعبة سيخوضها العراق لاحقا و تتطلب حشدا ماديا و نفسيا ضخما ، و من أجل تحقيق و تعبيد الطريق لذلك تمت المباشرة بعمليات التصفية الدموية الداخلية و تنفيذ أحكام الموت العشوائية الشاملة ضد كل المعارضين ووفقا لقوانين عجيبة و غريبة جاءت بعدها مرحلة التهجير الطائفية ذات المضامين المتعلقة بتجفيف المنابع التي قد تساهم في تمويل المعارضة!! و هي خطة عمل واسعة لكنس الساحة العراقية من أي صوت أو نفس معارض ، فكانت أغنية :( بيت بيت زار الشعب بيت بيت ما بين بوجهه التعب ..) ثم أنشد الفنان الكردي أحمد الخليل أنشودته الشهيرة :

( أيد بأيد وي أيد القائد أيد بأيد ويه المناضل ... ياحبيب الشعب يا صدام يا أحلى حبيب..) ، و لعل أبرز ظاهرة طبعت صعود فاشية صدام هي القصائد التي دبجها شاعر البعث الراحل ( شفيق الكمالي ) وكان يلهث وراء المطربين ليعنونها إتقاءا لشر صدام الذي كان يكره الكمالي شخصيا ، و النشيد الوطني العراقي القائم حتى اليوم هو من نظم الكمالي ( وطن مد على الأفق جناحه و أرتدى مجد الحضارات وشاحا... بوركت أرض الفراتين وطن عبقري المجد عزما و سماحة )!، فقدم الكمالي كلماته للمطربة مائدة نزهت ( نشيد البعث ) الذي يشيد بشخصية صدام لدرجة التأليه بل و قرنه بالفرات فهو أعذب من الفرات وهو النور و هو الآله البشري ( تبارك وجهك الوضاء فينا كوجه الله ينضح بالجلال )!! و أنتهى مولد المديح بتفجير الحرب مع إيران ( قادسية صدام ) و التي كانت قمة المشروع الفاشي وحيث ظهرت آلاف الأناشيد و الأغاني التي تمجد صدام و تعتبره فوق الشعب و الوطن وكانت مرحلة مرعبة من الكوميديا السوداء تبارى خلالها أهل الفن العراقي و بتحشيد و ترهيب لا نظير له من وزير الإعلام السابق المهرج لطيف نصيف جاسم الدليمي الذي نجح في جعل إسم صدام من المقدسات في العراق بل و أستورد المطربين حتى من الصومال ليمجدون بصدام و رهطه كتلك الأنشودة التي تقول ( أحنا معاكم مع هذا الشعب ) أما قوافل الصحفيين و الفنانين العرب فكانت لا تقل حماسة عن نظرائهم في العراق بل تفوقت عليها إذ لا زالت تعمل حتى اليوم رغم إضمحلال الفاشية البعثية وقبر مشروع البعث الفاشي للأبد ، و بعد غزو الكويت لم تفتر حماسة المنافقين في شوارع الفن العراقية بل غنى أحدهم ( معجزة أنت وداعتك يا سيدي و العراق بنور فكرك يزدهي )!!، لقد كانت قوافل الملحنين و الشعراء العراقيين جسورا للفاشية البعثية فكانت أسماء معروفة للفن العراقي مجبرة على التطبيل الرخيص لقائد مهزوم ورط العراق في مصائب لم تكن حتمية و لا ضرورية مثل الفنانين ( طالب القره غولي و فاروق هلال ) و غيرهم الكثير... إنها صفحات سوداء لمرحلة مؤلمة لم تزل تداعياتها مستمرة وسوف تبقى آثارها لعقود طويلة قادمة... لقد كان كرنفالا عاما للنفاق الجماهيري لم يشهد تاريخ العرب الحديث نظيرا له .