الموظف المصرى..!!
بقلم : دكتور/محمد فؤاد منصور
hotmail.com@m_mansour47
3 فبراير 2007

نحن شعوب متخلفة تماماً ,نضيق بالرأى الآخر ونكره المصارحة كراهية التحريم ،ننزعج من النقد بكل أنواعه، البنّاء والهدام والذاتى والعام لذلك فإن شعارنا المعلن دائماً إذا سأل مسئول عن مجريات الأمور أن نقول إن كل شئ تمام ياأفندم ،و "أفندم " الأخيرة هذه هى العلامة المسجلة للنظم العثمانية العقيمة التى ورثناها كابراً عن كابر والتى أدخلتنا أنفاق التاريخ المظلمة والموصلة على بعضها البعض فلم نخرج منها منذ القرن السادس عشر وحتى الآن.
نحن نسأل مرؤوسينا لا لنعرف الحقائق المجردة وإنما نهئ أنفسنا مسبقاً لسماع اللحن المميز للنفاق والزلفى وأن كل شئ على مايرام بينما يكون كل شئ فاسد تماماً وربما غير قابل للإصلاح، نعلن أن المريض قد تعافى وأنه " زى الجن" بينما يكون قد مات وشبع موتاً حتى أصبح الكذب وعدم المصارحة ولف الحقائق وشغل الثلاث ورقات من الطباع الأصيلة فى مجتمعاتنا بل وقد تدفع هذه الطباع صاحبها إلى مقدمة الصفوف.
ننادى بتطبيق نظم الجودة المتعارف عليها فى العالم أجمع ثم نحصرها فى شكليات لاتغنى ولاتسمن من جوع، نتوه فى تفاصيل التفاصيل وننسى الحقائق الأساسية والشغل الرئيسى وأنه لاجودة دون إمكانيات حقيقية مادية وبشرية ثم سهولة ويسر وسرعة فى التنفيذ ودقة فى المواعيد وهى كلها أدوات لم نتعود عليها فى ظل عقليات تربّت على التعلق بالروتين والتمسك المرضى باللوائح والتعليمات التى أصدرها "قراقوش" طيّب الله ثراه.
عقلية الموظف المصرى لم تتعود على المبادرات الذاتية والتى تنبع من إدراكه لقيمة الوقت ولأهمية السرعة فى الإنجاز هى عقلية الصادر والوارد والسركى والحضور والإنصراف ثم لاشئ بينهما، هو دائماً فى حالة إنتظار للأوامر والتعليمات حتى فى أبسط الأمور من الرئيس المباشر وبدوره فإن الرئيس المباشر ينتظر تعليمات من هو أعلى وهكذا صعوداً حتى الرئيس غير المباشر لكل مايجرى على أرض الكنانة وهكذا تضيع الفرص وتتبدد الأموال وتتوه المصالح بين أوراق تذهب واوراق تجئ أو لاتجئ لافرق وقد يمضى الوقت ولاتصدر التعليمات وتموت المصالح موتاً بطيئاً أو تنتهى بالتقادم .
هل تذكرون حكاية التلميذة التى أوقفوا نتيجة إمتحاناتها فى الصيف الماضى لأنها خرجت على السياق المتعارف عليه فى التعبير عن الأفكار لقد عرض المصحح ورقة الإجابة على المراجع وهذا بدوره عرضها على رئيس الغرفة ثم أخذها الأخير إلى رئيس اللجنة ثم الناظر فالمدير فمدير المرحلة فمدير التعليم فوكيل الوزارة فالوزير شحصياً كل واحد من هؤلاء لم يستطع البت فى موضوع هو من التفاهة بمكان والمثير للدهشة أن كل هؤلاء بما فيهم الوزير شخصياً وقفوا عاجزين عن إعلان نجاح الطفلة المسكينة حتى تطوع رئيس الدولة نفسه فأعلن نجاح الفتاة البائسة والتى كاد مستقبلها يضيع بين الأيدى المرتعشة لأن عقلية الموظف المصرى حالت دون إتخاذ قرار فى شأن ٍ لم يكن من الواجب أن يتعدى جدران الغرفة التى يتم فيها التصحيح .
إن مواكبة العصر لاتتم عبر الأمنيات الطيبة وإنما تحتاج أن نلقى كل موروثات سنوات القهر والهوان فى أقرب سلة مهملات ثم ننظر حولنا من جديد لنتعرف على العالم بعيون جديدة ومن يدرى ؟ .. ربما نتعلم الدرس الذى غاب عنا سنيناً طويلة..!


دكتور/محمد فؤاد منصور
الأسكندرية