عن "الإقصاء السياسي" في مصر
بقلم : علي عبدالعال
alyabdelal@gmail.com
3 فبراير 2007


جديرة هي تلك المرحلة الفاصلة من حياة المصريين، أن تجري عليها عملية تقييم موضوعية ودقيقة، لما انتهت إليه عملية "الإصلاح" ، التي كان النظام السياسي قد روج لها في البلاد، خاصة وأن فترة زمنية ــ ليست بالقليلة ــ مرت وكانت كافية لأن يرى المجتمع فيها نتيجة ملموسة لهذه الدعاية التي مورست بحقه.

فقد عانى المصريون كثيراً ــ خلال الأعوام الماضية ــ من وطأة "استبداد" سياسي و"قمع" أمني و"فساد" اجتماعي واقتصادي استشرى على جميع الأوساط ، و"قهر" و"تهميش" أو قل "إقصاء" للشريحة الكبرى من أبناء المجتمع. فكانت وظلت تدار الأمور في البلاد دون أن يعلم أبناؤها عنها شيء، أو حتى أن يكون من حقهم الاستفسار عن حقيقة ما يجري في بلادهم، حالهم كما قال القائل : "ويُقضى الأمرُ حين تغيب تيمُ ولا يُستشهدون وهم حضور".

استمر ذلك إلى أن لاحت في الأفق بادرة نور، تنفس المصريون معها الصعداء وهم يتابعون عملية "التبشير" التي قام بها (ألو الأمر) بشأن "إصلاح" سيجري في البلاد تعود معه الأمور إلى نصابها، هذا النصاب الذي طال بقاؤه مقلوباً. وكعادتهم هلل المصريون لهذه البشرى، بعد أن فهموا من "الإصلاح" أنها عملية ستتمخض عنها ــ لا شك ــ : مشاركة سياسية ، وانتخابات نزيهة ، وسيادة للقانون تسري على الجميع ، وإنتماء حقيقي للوطن ، وتوزيع عادل للثروات تنتهي معه كل أشكال الرشوة والفساد والمحسوبية.

وكعادتها الرياح تأتي دائماً على المصريين بما لا تشتهيه سفنهم ــ تلك السفن التي ظلت تمخر في عبابها عكس الاتجاه ــ حيث مرت فترة زمنية كانت جديرة بأن يستيقظ فيها أبناء المجتمع على حقيقة السراب الذي حسبوه يوماً ماء، بعد أن جرت ــ في البلاد ــ انتخابات رئاسية ، وأخرى برلمانية ، وعطلت ــ عمداً ــ انتخابات المجالس المحلية، ثم تابع أبناء هذا الوطن الزفة الدعائية التي روجت لما سمي بـ "التعديلات الدستورية" ، وما سبقها من حركة القضاة التي جاهدوا خلالها فقط من أجل الحفاظ على استقلالهم ضد بطش الدولة، وغيرها من قضايا مصيرية في تحديد مستقبل أي أمة من الأمم.

وكانت بمثابة اختبارات جرت على الأرض لهذا "الإصلاح" الذي سرعان ما تبينت حقيقته، وبدى وكأنه إصلاح للوراء أو إصلاح لإزالة الإصلاح، إن كان له أي وجود من قبل. فقد استمر الاستبداد على حاله ــ إن لم يكن ترعرع ــ جاسم فوق صدور الناس متشبث بأغلاله ، وبقي أخواته "الفساد" و"المحسوبية" و"الإقصاء" ما جعل المصريين يحسبون معه أنهم غرباء عن هذا الوطن، أو أنهم مستعبدين فيه لفئة محدودة من أبناء جلدتهم، لها السلطة ولها الثروة تحكم فيهما بأمرها، لا تُسأل عما تفعل وهم يسألون.

ورأى الناس نتيجة ذلك، المزيد من فضائح الفساد التي ليس آخرها قضية "الأكياس الملوثة"، فضلاً عن الإمعان في "الإقصاء السياسي" وتلفيق "الاتهامات" و"الاعتقالات" و"التعذيب" التي تتم في ظل انتهاك صارخ للقوانين والدستور، من قبل الدولة التي من المفترض أنها "الحارث" و"الأمين" على العدالة والحقوق والحريات في البلاد. ومن ثم أصبح الشعب المصري بين مطرقتين : فشل النظام ، واستماتته في التشبث بالسلطة، هذه السلطة التي لا يعرف لها إلا "الحديد والنار" كوسيلة وحيدة للتطبيق، وانتهى الحال بأن بات المجتمع يشعر ــ مع الأوضاع الحالية ــ أن لا بادرة لأي أمل تخرج معه البلاد من جمودها أو كبوتها، ولم يكن مبالغاً أن قال لسان حاله : إن الإصلاح بحاجة إلى قدرة آلاهية، كي تحققه في بلاد "المحروسة".