بعد عام على الانقلاب السياسي الديمقراطي في الساحة الفلسطينية...قراءة مختلفة
 عماد عفانة
compoq22@hotmail.com
27-1-2007م


لا شك أن فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، احدث مفاجأة كبيرة، وصلت إلى حد وصف الكثيرون لها بـ " تسونامي فلسطين" أو الزلزال المدمر.
ورغم شدة هذا الوصف التضليلي إلى حد ما إلا أن الاراء وبعد عام على إجراء أول انتخابات تشريعية تعددية ديمقراطية ونزيهة تشارك فيها حماس تختلف في قراءة أحداث العام الماضي.
وقد لفت انتباهي ما نشرته وكالة معا قبل يومين حول رأي قادة في القوى والفصائل في المشهد الفلسطيني بعد مرور عام عليه.
فمنهم من راح إلى وصفه بعام صعب للغاية، بسبب الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني، وبسبب تجميد المجلس التشريعي نتيجة اعتقال نحو 40 نائبا من أعضاء هذا المجلس، وبسبب مشكلة الفلتان الأمني التي تعاظمت على أيدي عناصر وقوى في الأجهزة الأمنية التي تسيطر عليها حركة فتح، وبسبب حالة المد والجزر التي ما زالت ترافق تشكيل حكومة وحدة وطنية، وبسبب تراجع العلاقة مع المحيطين العربي والدولي.

ومنهم من وصف، العام الماضي بعام المناكفات والتراجعات، ما أدى الى الوصول الى حافة اقتتال داخلي، نتيجة الاستقطاب الشديد بين القطبين السياسيين في الساحة الفلسطينية، الأمر الذي أدى الى التراجع على مختلف الصعد وعلى رأسها حالة الشلل التي تربك المؤسسة الحكومية الرسمية للشعب الفلسطيني.

إلا أن نظرة من زاوية مختلفة إلى المشهد، وقراءة مختلفة لمجريات العام الماضي بمناكفاتها ومناوشاتها المسلحة وبتجاذباتها السياسية تثبت عدد من الحقائق التي لا يمكن لأي منصف أن يتجاهلها، ومن هذه الحقائق:

أولا: أن العام الماضي كان عام انتصار الحكومة، وانتصار نهج حركة حماس، بدلالة الالتفاف الجماهيري الكبير الذي ما زالت تتمتع به حركة حماس والحكومة رغم حجم التشويه الكبير الذي الحقته بها ماكنة فتح الاعلامية ورغم الحصار الشديد المفروض على الحكومة والشعب الفلسطيني، ورغم كل العراقيل التي وضعت لإسقاط الحكومة، وليس خافيا على احد واستنادا إلى تأكيدات مستمرة من حماس أن الجهات الداخلية والخارجية التي تحاصر الحكومة راهنت على سقوط هذه الحكومة في غضون أشهر قليلة، وتعتبر حماس ان مجرد استمرار الحكومة حتى هذه اللحظة هو انتصار للحكومة ولحماس.
ثانيا: تثبت الأحداث التي شهدتها الساحة الفلسطينية أن موازين القوى السياسية والجماهيرية وحتى العسكرية في الساحة الفلسطينية لا تسمح لأي طرف مهما بلغ الدعم الخارجي له بإزاحة أو القضاء على حركة حماس التي باتت جزءا أصيلا من الشعب الفلسطيني وقناعاته وثقافته.
ثالثا: بعد كل ما مرت به الساحة الفلسطينية من أحداث دامية بين حماس الفتية وفتح العريقة بما تمتلك من أجهزة أمنية وارث عسكري عمره أكثر من أربعين عاما أثبتت الأحداث أن خطر قصم الدهر والاكتواء بالنار ليس قاصرا على طرف دون آخر، وان حماس تمتلك من القوة ما تستطيع أن تقصم به ظهر الآخرين أيضا.
رابعا: المتتبع لمراحل تطور حركة حماس كذراع لجماعة الإخوان المسلمين العالمية وما مرت به من محن منذ الستينيات حتى اليوم بدءا من الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة مرورا بابعاد المئات من كوادرها وقياداتها في الى مرج الزهور او تغييبهم خلف قضبان السجون وصولا الى فقدان حماس لأغلبية قيادتها التاريخية التي يطلق عليها اسم المؤسسين الرواحل في اقل من عام واحد، وانتهاءا باصعب امتحان تمر به وهو فوزها بالأغلبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
والمتتبع للخط البياني السابق لصعود لحماس يدرك يقينا أن المستقبل الفلسطيني يتجه ويصب في صالح حركة حماس وليس ضدها.
خامسا: أن حركة فتح التي تفردت بقيادة وقرار وحكم الفلسطينيين طوال الحقبة الماضية لم تعد هي صاحبة القرار أو القول الفصل في الساحة والقضية الفلسطينية الأمر الذي باتت تدركه دوائر صنع القرار في العالم.
سادسا: أن الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني وعلى حكومته عقابا له على خياره الديمقراطي لم يعد ذات جدوى، بدليل الاختراق الهام الذي نجحت الحكومة وحركة حماس في تحقيقه بإعادة وتعزيز البعد والعمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية بعد غياب طويل، هذا الاختراق الذي تمثل في العلاقات التي نجحت الحكومة في نسجها مع هذه الدول وفي المساعدات العاجلة والبعيدة المدى التي نجحت في تحقيقها والتي يحول الحصار دون وصولها.
سابعا: القناعة التي نجحت حماس والحكومة بصمودها واستمرارها حتى اليوم في إيصالها للكثير من الأطراف التي تشارك في هذا الحصار بدءا من أوروبا وانتهاء بأمريكا بان يختاروا طريق الحوار مع حماس عوضا عن الحصار، هذه القناعة التي بدأت تترجم على أرض الواقع ولو على استحياء حتى الآن، رغم المخاوف من أن يكون خيار الحوار مع حماس يندرج في إطار التكتيك السياسي القائم على المثل القائل" إن لم تستطع أن تبتلع عدوك فاعمل على تفتيته"، الأمر الذي تتنبه له حماس وتصر على أن لا تقدم أي تنازلات تنال من مشروعها الإسلامي ويدخلها في دائرة الخطأ الاستراتيجي.
ثامنا: أثبتت حماس أنها باتت رقما صعبا وحاجزا لا يمكن اختراقه أمام تطبيق المخططات والمشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة بدءا من أوسلو وليس انتهاء بخارطة الطريق.
تاسعا: نجحت حماس الى حد ما في تطبيق الشعار الانتخابي الذي رفعته والذي فازت على اساسه وهو " يد تبني ويد تقاوم" ففي مجال المقاومة فقد وقعت في عهد هذه الحكومة عمليتان عسكريتان مقاومتان غير مسبوقتان:
الاولى نجاح كتائب القسام وبتأييد حكومي وتغطية سياسية في تنفيذ عملية الوهم المتبدد النوعية والتي قتلت فيها عددا من جنود الاحتلال واختطفت جلعاد شاليط الذي ما زال في الاسر حتى الان.
اما الثانية والتي لم يقوم الاعلام بتسليط مايكفي من الاضواء عليها ولم يعطها حقها من التركيز وهي عملية اسقاط والسيطرة على طائرة استطلاع صهيونية، لما لهذه العملية النوعية من اهمية سواء على صعيد تطور التقنية التي وصلت اليها كتائب القسام او لجهة احتمال ان تكون هذه بداية لتشكيل خطر حقيقي على طائرات الاستطلاع التي لا تغادر سماء غزة، عدا عن البعد التقني الذي تضيفه هذه الطائرة الى مشروع كتائب القسام لانتاج طائرة الاستطلاع الخاصة بها.
اما على صعيد البناء فكلنا يرى ان المناكفات التي تميز بها العام الماضي شكل عقبة كأداء امام عملية لبناء خصوصا بعدما صرح به رئيس الوزراء إسماعيل هنية لفضائية المنار حيث قال أننا تسملنا الحكومة شكلا ولم نتسلمها مضمونا، ورغم ذلك تقارير البنك الدولي اثنت على الادارة المالية النزيهة لحكومة حماس.
عاشرا: نجحت الحكومة وحماس ولأول مرة في فرض جهاز امني يسمى القوى التنفيذية خارج عن القرار الأمريكي والصهيوني خلافا لكافة الأجهزة الأمنية الفلسطينية المحكومة بسقف اشتراطات أوسلو. لمصالحة