الوطن ومصلحته العليا فوق المصالح الطائفية
رشاد الشلاه
rashadalshalah@yahoo.se
1 فبراير 2007


لم تعد الساحة العراقية هي الساحة الوحيدة المتميزة بالانقسام والتناحر الطائفي بعد ان وصل شرر هذا الصراع يوم الخميس الماضي الى الساحة اللبنانية ، وإذا لم يتم تطويقه وإنهاؤه بحرص وطني قبل أي اعتبار، فهو مرشح الى الاتساع ليشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط والخليج. وان كنا لا نتمنى لهذا اللهيب الاندلاع في العراق أصلا، فضلا عن اتساعه في المنطقة، إلا ان الأطراف الطائفية العراقية المتناحرة، المنخرطة في العملية السياسية أو خارجها، لا يبدو أنها أمام مراجعة للأولويات ومن ثم اتخاذ قرار يتسم بالجرأة والحرص، مضمونه في هذه المرحلة بالذات ،الوطن والمواطنة ومصلحتهما فوق المصلحة الطائفية، لسبب بيَن هو خروج هذا الصراع عن كونه صراعا فكريا أو عقائديا بين فرق إسلامية يعود خلافها الى عدة مئات من القرون، ليتحول الى صراع سياسي على النفوذ والاستحواذ على مراكز القرارات السياسية والاقتصادية في عراق النفط والثروات الأخرى والموقع الجغرافي، صراع يدار وبتدخل سافر من دول الجوار المختلفة لتصفية حساباتها من جهة والعمل على بقاء الإدارة الأمريكية غائصة في الوحل العراقي ، هذه الإدارة التي لا ترى طريقا لتحقيق مصالحها إلا طريق إشعال الحروب المفتوحة، ولا يبدو وهي تتوسل فرصة أخرى للخروج من مأزقها في العراق، قد أدركت تماما خطل هذه السياسة، فهي تعزز خططها ضد إيران بالمزيد من الحشود العسكرية في المنطقة و الخليج والعراق وتهيئة الرأي العام الأمريكي والعالمي لهذه الخطط عبر التأكيد على خطورة الطموح النووي الإيراني، وعلى العثور على " جبل" من الأدلة تؤكد التدخل الإيراني في الشأن العراقي. وكما قدم صدام حسين المسوغات لفرض العقوبات الاقتصادية و تدمير العراق، فان القيادة الإيرانية الحالية تسير على ذلك النهج. وآخر تصريح لهاشمي رفسنجاني يقول فيه ان إيران نقلت الحرب الى عقر دار الأمريكان!! مؤشرا بذلك الى أفغانستان و العراق. ولا تعني النظام الإيراني المصائب اليومية التي تحل بالشعبين الأفغاني والعراقي جراء تحويل بلديهما الى ساحة صراع الآخرين مع الولايات المتحدة.

ان تصاعد حدة الحرب الإعلامية بين إيران والولايات المتحدة وازدياد التأزم في علاقاتهما تنعكس سلبا على الحالة العراقية بشكل عام وعلى تنفيذ الخطة الأمنية بشكل خاص، تلك الخطة التي أعلن عنها رئيس الوزراء السيد نوري المالكي مع تأكيده ان حكومته قد حزمت أمرها لبدء شن معركة بسط سيطرتها على العاصمة بغداد وتصفية العصابات المسلحة أيا كانت انتماءاتها ومن يقف وراءها، تمهيدا لعودة الأمن لهذه العاصمة المنكوبة عبر فرض سيادة قانون الدولة فقط ، أي ان البلد يمر في ظرف عصيب ودقيق، ولذلك يغدو من المهم إسناد هذا التوجه الوطني. فهل ستلقى الحكومة التعاون والدعم من الأخوة في الدين من اجل إنقاذ أنفسهم وإنقاذ العراق الذي يعني تدميره تدميرهم أيضا، و جعل الحوار السياسي المسؤول فقط هو السبيل لحل مشاكل البلد المتراكمة وفي مقدمتها الفساد ونقص الخدمات والميليشيات تمهيدا للتخلص من القوات الاجنبية، وإعانة الحكومة على تطبيق برنامجها الذي أقرته الكيانات السياسية الوطنية؟

ان العراق بحاجة اليوم وبدرجة أولى الى تجسيد وطنية مكوناته السياسية بالممارسة وليس عبر اللقاءات التلفزيونية أو الخطاب الحماسي أثناء جلسات مجلس النواب . وان لا تجعل هذه المكونات نفسها محاريث للقوى الإقليمية المتربصة التي تنفخ سمومها وتستفيد من العراق مجروحا بل وتزيد من نزف هذا الجرح؟. و أيا كان تداخل مصالح الشعب العراقي كله أو فئة منه مع مصالح دول وشعوب الجوار فان " الدعم" المقدم من هذه الدول لهذه الفئة أو تلك من الفئات العراقية المتصارعة، مبعثه مصالح الجهات الواهبة أولا، لا مصلحة العراق الذي تحول الى خط دفاعي لحماية الأنظمة المرتعدة من هيجان الثور الأمريكي الجريح منذ هجوم منظمة القاعدة على برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك في أيلول العام 2001.

ان ما سيشهده العراق في الأسابيع والأشهر القادمة على طريق تحقيق خطة امن بغداد، سيكون حاسما لتقرير حاضره والتأثير على مستقبله، وبقدر ما تتطلب مهمة بسط السيطرة الأمنية من حزم تجاه العصابات الإرهابية والطائفية، فان تأكيد اللحمة الوطنية عبر تحقيق المصالحة الوطنية أمر لا يحتمل التأجيل ويتطلب الجدية في التوجه والتنفيذ، والمواطن العراقي طفح كيله من الوعود التي لم تتحقق، ومن حقه ان ينعم بالأمن وبخيرات بلاده التي آلت عليه بالنقمة بدل النعمة.